65
الحاشية علی اصول الكافي (العاملي)

قال عليه السلام : ما العقل . [ ص۱۱ ح۳ ]
أقول : الحاصل أنّ النفس النوريّة المطمئنَّةَ الطبع ، المعتدلةَ الخلقة ، العاليةَ الجوهر عن هذا العالم ، فإنّ شأنها الانفعال عن الملكوت الأعلى واتّصالها بالملأ المتعالى والاتّكال بباريها تعالى في أمر دنياها واستعمال الرؤية والفكر على سبيل القصد ، والمراد من العقل هاهنا هو هذا الانفعال ، ومرجعه إلى التعقّل للاُمور والقضايا المستعملة في كتب الأخلاق التي هي مبادي الآراء والعلوم لنا أن نعقلها لنفعلها ، أو نتجنّب عنها .
ونسبة هذه القضايا إلى العقل المستعمل في كتاب الأخلاق كنسبة العلوم الضروريّة إلى العقل المستعمل في كتاب البرهان ، فذانك العقلان حالتان للنفس المجرّدة : إحداهما حالة انفعاليّة بها تنفعل عن المبادي العالية بالعلوم والمعارف التي غايتها أنفسها ، وهي الإيمان باللّه واليوم الآخر ؛ وثانيتهما حالة فعليّة عمليّة تفعل فيما تحتها بسبب الآراء التي غايتها العمل بمقتضاها من فعل الطاعات ، والاجتناب عن المعاصي ، والتخلّق بالأخلاق الحسنة ، والتخلّص عن الأخلاق الذميمة ، وهو الدين والشريعة ، فإذا حصلت الغايتان ، فقد عُبد به الرحمن ، واكتُسب به الجنان .
قال عليه السلام : قلت : فالذي كان . [ ص۱۱ ح۳ ]
أقول : لا يخفى أنّ ما يسمّون الجمهور العاميّة العقلَ مرجعه إلى جودة الرويّة وسرعة التفطّن في استنباط ما ينبغي أن يؤثّر أو يتجنّب وإن كان في باب الأغراض الدَنِيّة الدنياويّة وهوى النفس الأمّارة بالسوء الشيطانية ، فإنّ الناس مَن له هذه الرويّة يسمّونه عاقلاً ، ومعاوية من هذا القبيل ! فلذا يعدّونه من العقلاء .
وأمّا أهل الحقّ ، فلا يسمّون هذه الحالة عقلاً بل اسماً آخر كالنكراء أو الشيطنة أو الدهاء أو شبه هذه الأسماء ، والوجه في ذلك أنّ النفس الإنسانيّة على أنّه لم يكن نشأتها مرتفعةً عن عالم الحركات ، وكان الغالب على طبعها الجزءَ الناريَّ التي شأنها سرعة الحركة وقوّة الاشتعال ، فمثل هذه النفس الناريّة شديدة الشبه والمناسبة المتأكّدة إلى الشيطان في استنباط الحيل والمكر والاستبداد بالرأي والعمل بالقياس الفاسد والإبلاء


الحاشية علی اصول الكافي (العاملي)
64

الاكتفاء على هذه الخصال الثلاث ، والثاني ملاك كون المختار منها العقلَ ، والثالث بيان وجه استتباعه للحياء والدين .
بيان الأوّل أنّ للإنسان قوّتين : فعليّةً وانفعاليّةً ، والاُولى قوّة تصدر بحسبها الطاعات والعبادات ، ويعبّر عنها بالدين تسميةً للسبب باسم ل لمسبّب ، والثانية قسمان أحدهما انفعاله بالصور الإدراكيّة من المعارف الفاضلة القدسيّة ، فهي العقل ، وثانيهما انفعاله بغيرها من الاُمور الحسنة فهي الحياء .
وأمّا الثاني ، فلأنّ العقل أشرف الخصال وأفضلها وأعزّها وأكرمها ؛ لأنّه ملاك معرفة الحقّ عن الباطل ، وبحسبه يكمل الإيمان ، وبه الفوز بدرجات الجنان ، والخلوص عن دركات النيران ، وهو الذي يحبّ اللّه ويحبّه اللّه .
وأمّا الثالث ، فلأنّه إذا حصل العقل ، فقد يتجلّى على القلب نور عظمته تعالى وجلالِه الأمجد الأقدس على النمط الأكمل الأسنى ، فتتبعه الحياء وينطبع فيه العلم بالباري الحقّ تعالى واليوم الآخر ، فتتبعه خشية اللّه في القلب كما ينادي به قوله تعالى : « إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَـؤُاْ »۱ ، وإذا حصلت الخشية إيّاه والخوفُ من عذابه ، يستكمل به الدين ، ويتمّ به العمل ، رزقناهما اللّه ! إنّه جواد كريم .

قال عليه السلام : إنّا اُمرنا . [ ص۱۱ ح۲ ]
أقول : هذا الأمر تكويني لا تشريعي كما في قوله تعالى : « إِذَآ أَرَدْنَـهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ »۲ . وقوله : « كُونُواْ قِرَدَةً خَـسِئينَ » . ۳ وفي هذا الأمر لكونه وجوديّاً بلا واسطة لا يمكن التفصّي والتمرّد بخلاف ما عليه أمر الآمر الثاني ؛ لأنّه يجوز فيه الأمران ، فمنهم من أطاع ومنهم من عصى .

1.الفاطر (۳۵) : ۲۸ .

2.النحل (۱۶) : ۴۰ .

3.البقرة (۲) : ۶۵ ؛ الأعراف (۷) : ۱۶۶ .

  • نام منبع :
    الحاشية علی اصول الكافي (العاملي)
    المساعدون :
    الجليلي، نعمة الله؛ مهدي زاده، مسلم
    المجلدات :
    1
    الناشر :
    دارالحدیث للطباعة و النشر
    مکان النشر :
    قم المقدسة
    تاریخ النشر :
    1427 ق / 1385 ش
    الطبعة :
    الاولي
عدد المشاهدين : 73813
الصفحه من 476
طباعه  ارسل الي