الاكتفاء على هذه الخصال الثلاث ، والثاني ملاك كون المختار منها العقلَ ، والثالث بيان وجه استتباعه للحياء والدين .
بيان الأوّل أنّ للإنسان قوّتين : فعليّةً وانفعاليّةً ، والاُولى قوّة تصدر بحسبها الطاعات والعبادات ، ويعبّر عنها بالدين تسميةً للسبب باسم ل لمسبّب ، والثانية قسمان أحدهما انفعاله بالصور الإدراكيّة من المعارف الفاضلة القدسيّة ، فهي العقل ، وثانيهما انفعاله بغيرها من الاُمور الحسنة فهي الحياء .
وأمّا الثاني ، فلأنّ العقل أشرف الخصال وأفضلها وأعزّها وأكرمها ؛ لأنّه ملاك معرفة الحقّ عن الباطل ، وبحسبه يكمل الإيمان ، وبه الفوز بدرجات الجنان ، والخلوص عن دركات النيران ، وهو الذي يحبّ اللّه ويحبّه اللّه .
وأمّا الثالث ، فلأنّه إذا حصل العقل ، فقد يتجلّى على القلب نور عظمته تعالى وجلالِه الأمجد الأقدس على النمط الأكمل الأسنى ، فتتبعه الحياء وينطبع فيه العلم بالباري الحقّ تعالى واليوم الآخر ، فتتبعه خشية اللّه في القلب كما ينادي به قوله تعالى : « إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَـؤُاْ »۱ ، وإذا حصلت الخشية إيّاه والخوفُ من عذابه ، يستكمل به الدين ، ويتمّ به العمل ، رزقناهما اللّه ! إنّه جواد كريم .
قال عليه السلام : إنّا اُمرنا . [ ص۱۱ ح۲ ]
أقول : هذا الأمر تكويني لا تشريعي كما في قوله تعالى : « إِذَآ أَرَدْنَـهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ »۲ . وقوله : « كُونُواْ قِرَدَةً خَـسِئينَ » . ۳ وفي هذا الأمر لكونه وجوديّاً بلا واسطة لا يمكن التفصّي والتمرّد بخلاف ما عليه أمر الآمر الثاني ؛ لأنّه يجوز فيه الأمران ، فمنهم من أطاع ومنهم من عصى .