63
الحاشية علی اصول الكافي (العاملي)

قال عليه السلام : العقل والحياء والدين . [ ص۱۰ ح۲ ]
أقول : إنّ للإنسان ثلاثَ قوى :
إحداها : ما به يدرك الحقائق ، وهي المسمّاة بالعقل.
وثانيتها : ما به ينفعل عمّا يرد على القلب ، ويعبّر عنها بالحياء .
وثالثها : ما به يقتدر على فعل الطاعات وترك المنكرات ، ويعبّر عنها بالدين .
وهذه الألفاظ كما قد تطلق على هذه المبادي من القوى والأخلاق ، كذلك تطلق على آثارها والأفعال المترتّبة عليها ، فيقال : إنّ العقل إدراك المعقولات ، والحياء انفعال القلب عمّا يرد عليه ، والدين فعل المعروفات وترك المنكرات .
والحياء قسمان : [حياء نشأت] من ضعف القلب وقلّة الاحتمال ؛ لعجزه وهو غير ممدوح ؛ وحياء نشأت من استشعار العظمة والكبرياء والهيبة .
فالاُولى حياء من الخلق ، والثانية من الحقّ ، وهو من محاسن الأخلاق ومكارم الخصال والحياء [الذي] من الإيمان هو هذا . ۱
ومن أصحاب العرفان قال : الحياء وجود ۲ الهيبة في القلب مع حشمة ما سبق منك إلى ربّك ۳ . وبعضهم : إنّ العباد عملوا على أربع درجات : الخوف ، والرجاء ، والتعظيم ، والحياء ، وأشرفهم منزلةً مَن عمل على الحياء لما أيقن أنّ اللّه يراه على كلّ حال ، فاستحيا من حسناته أكثرَ ممّا استحيا العاصون من سيّئاتهم ۴ .
وهذه الخصال الثلاث لكلّ منها ضدّ ، فضدّ العقل الحياء بمعناه الوجودي ، أي إدراك الشيء على خلاف ما هو عليه ، وهو من أسوء الأخلاق السيّئة وأفسدها ؛ إذ الكفر شعبة منه ؛ وضدّ الحياء الوقاحة ، وضدّ الدين الفسق .
فإذا تقرّرت هذه المقدّمات ، فنقول : إنّ في هذا الخبر مطالب ثلاثة : أحدها سبب

1.راجع : بحار الأنوار ، ج۷۱ ، ۳۳۱ .

2.في المخطوطة : «وجوه» .

3.راجع : الفتوحات المكيّة ، ج۲ ، ص۵۴۰ ؛ رياض السالكين ، ج۳ ، ص۱۳۱ .

4.راجع : بحار الأنوار ، ج۷۰ ، ص۱۹۶ .


الحاشية علی اصول الكافي (العاملي)
62

به ؛ لأنّ المحبّة تابعة لإدراك الوجود لأنّه خيرٌ محضٌ ، فكلّ ما وجوده أتمّ كانت خيرته أعظمَ والإدراك به أقوى والابتهاج أشدَّ ، فأجلّ مبتهج بذاته هو الحقّ الأوّل ؛ لأنّه أشدّ إدراكاً لأعظم مدرك ، له الشرف الأكمل والنور الأنور والجلال الأرفع ، وهو الخير المحض .
ثمّ إنّ كلّ من أحبّ جميع آثاره وأفعاله تبعاً لمحبّته لذاته ، وكلَّ ما هو أقرب إليه ، فهو أحبّ إليه ، وجميع ما في حيطة الإمكان على مراتبه آثار الباري الحقّ وأفعاله فاللّه يحبّها لأجل ذاته ، وأقربه إليه الروح المحمّدي المسمّى بالعقل هاهنا ، فحقّ أنّه أحبّ المخلوقات إليه .
وأيضاً قد ورد في بعض الأخبار أنّ رضاه تعالى عن الشيء عبارة عن إعطاء الثواب إيّاه ، وسخطه عبارة عن إعطاء العقاب . ۱
ومن هاهنا يظهر سرّ كونه صلى الله عليه و آله أحبَّ الأشياء إليه وأرضاه بالقياس إليه ؛ لاستحقاقه الثواب على المنهج الأكمل الذي لا يدانيه ثواب .
ولمّا كان ملاك التكليف هو العقلَ، قال تعالى : إيّاك آمر وإيّاك أنهى ، ولمّا كان العقل حقيقته ذات مقامات ودرجات إذ ليست وحدتها عدديّةً ، فكونه أحبَّ الأشياء إليه تعالى باعتبار غاية دنوّه ، وكمال قربه من الحقّ الأوّل ، وكونه معاقباً باعتبار نهاية بُعده ، وكونه مكلّفاً مأموراً ومنهيّاً باعتبار وقوعه في دار التكليف ، وكونه مثاباً باعتبار وقوعه في الآخرة في درجات الجنان .
وبالجملة ، إنّ العقل لمّا كان مناطَ التكاليف وملاكَها ، يصحّ أن يخاطب بهذه الخطابات وإن لم يصحّ في شأنه صلى الله عليه و آله وسلم توهّم عقاب ، فتدبّر .

قال عليه السلام : واحدة . [ ص۱۰ ح۲ ]
أقول : تأنيث واحدة وثلاثة وغيرهما باعتبار الخصلة .

1.الكافي ، ج۱ ، ص۱۱۰ باب الإرادة أنّها من صفات الفعل . . . ، ح۶ ؛ التوحيد ، ص۱۶۹ ، ح۳ ؛ بحار الأنوار ، ج۴ ، ص۶۶ ، ح۷ .

  • نام منبع :
    الحاشية علی اصول الكافي (العاملي)
    سایر پدیدآورندگان :
    الموسوی، محمدتقی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1385
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 53945
صفحه از 476
پرینت  ارسال به