صحبة الرسول (ص) بين المنقول و المعقول - صفحه 140

استنفرهم الرسول (صلى الله عليه وآله) ، وتعييرٌ مع تبيين لواقع حالهم بأنَّهم قد رضوا بالحياة الدنيا وبِلَذَّاتِها ، وفضَّلوا ذلك على نعيم الآخرة وجنَّاتها .
ثمَّ تهديد ووعيد شديد اللهجة منه تعالى لهم بأنَّه إن لم تنفروا ينزل عليكم العذاب الأليم ، ولا تكونوا مستحقين لصحبة مثل هذا النبي العظيم فيستبدل قوماً غيركم ، وليس في ذلك أدنى ضرر عليه .
فياترى: هل أنَّ هذا العتاب والتهديد منه تعالى كان للصحابة أم كان للكفار أو للمنافقين ؟؟
ولمزيد تأكيد واقع حالهم يبين حقيقة نواياهم بأنَّ همَّتهم قد ضعفت وصارت إلى درجة أنَّهم يستحبون السفر القريب و المغنم الواضح المقصود ، وأمَّا مع بُعدُ الشُّقَّة عليهم فيتطلبون المعذرة منك لعدم استطاعتهم ذلك ، بل يُقسِمُونَ على هذا ، مع علم الله بكذبهم .
الثاني: ما يتعلَّق بالمقابلة بين ما يجب على المسلمين والمؤمنين عمله لأجل التهيؤ للجهاد ، وما صَدَرَ منهم في الخارج: قوله تعالى: انفِرُوا خِفَافَاً وَثِقَالاً وَ جَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُم وَأَنْفُسِكُم فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُم خَيْرٌ لَكُم إنْ كُنْتُم تَعْلَمُونالتوبة: 41 .
وقوله تعالى: وَإذَا أُنْزِلَت سُوْرَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ استَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُم وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ القَاعِدِينَ * رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِم فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ *التوبة: 86 ـ 87 .
فهذه الآيات تبين ما كان مفترضاً أن يقوم به المسلمون من النفر للجهاد وبذل الغالي والنفيس من المال والنفس والولد .
ولكنَّ الأمر المؤسف ما عبَّرت عنه الآية الثانية من تثاقلهم واعتذارهم بطريقة شبه مؤدبة ; وهي الاستئذان منك في عدم الخروج ، فنزل القرآن مُبَكِّتاً لهم ، وذامَّاً لفعلهم ، بعدم الفقه لأمر هذا الدين ، وأهميَّة الجهاد في سبيله .

صفحه از 152