الأوّل ، أي حصر التذكّر فيهم ؛ لدلالة الآية السابقة بـ «إنّما» على حصر التذكّر في اُولي الألباب ، والمنحصر في المنحصر في الشيء منحصر فيه ، ولم يقل في الحصر الأوّل : اُولئك الذين تذكّروا ، إشعارا بأنّ التذكّر لا يكون إلّا بهداية اللّه وتوفيقه .
اعلم أنّه ينبغي هنا بيان اُمور :
الأوّل : أنّ هذه السياقة من الاستدلال على إمامة أمير المؤمنين وأولاده الأحد عشر المعروفين ـ سلام اللّه عليهم ـ مذكورة في آيات كثيرة :
منها : قوله تعالى في سورة البقرة : «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ»۱ بناءً على أن يكون الهدى في الموضعين مصدرا بمعنى اسم الفاعل للمبالغة ، ويكون في الأوّل حالاً عن القرآن ، وفي الثاني عبارة عن الإمام العالم بجميع القرآن ، ويكون «من» للسببيّة ، والظرف متعلّقا بـ «بيّنات» ، ويكون المراد بالفرقان المحكم من القرآن ، كما يجيء من أنّ أبا عبد اللّه عليه السلام قال : «القرآن جملة الكتاب والفرقان المحكم الواجب العمل به» في «كتاب فضل القرآن» في حادي عشر «باب النوادر» ، وهو الباب الرابع عشر .
المراد بالمحكم والمتشابه :
والمراد بالمحكم ما يعلم المراد به كلّ عارف باللغة العربيّة بدون حاجة إلى معلّم ، وليس بمنسوخ ، وبالمتشابه ضدّه ۲ ، فيشمل المأوّل والمجمل ، والظاهر والمنسوخ ، فيكون المراد أنّ جميع آيات القرآن حتّى متشابهاته تصير بيّنات بسبب أمرين ؛ الإمام العالم بجميع القرآن ، والمحكم الذي هو بيّن بنفسه ، ومرشد إلى ذلك الإمام ؛ لاشتماله على النهي عن اتّباع الظنّ والاختلاف في الفتوى والقضاء .
ومنها : قوله تعالى في سورة الحديد : «هُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ» . ۳