179
الشّافي في شرح أصول الكافي ج1

الأوّل ، أي حصر التذكّر فيهم ؛ لدلالة الآية السابقة بـ «إنّما» على حصر التذكّر في اُولي الألباب ، والمنحصر في المنحصر في الشيء منحصر فيه ، ولم يقل في الحصر الأوّل : اُولئك الذين تذكّروا ، إشعارا بأنّ التذكّر لا يكون إلّا بهداية اللّه وتوفيقه .

اعلم أنّه ينبغي هنا بيان اُمور :

الأوّل : أنّ هذه السياقة من الاستدلال على إمامة أمير المؤمنين وأولاده الأحد عشر المعروفين ـ سلام اللّه عليهم ـ مذكورة في آيات كثيرة :
منها : قوله تعالى في سورة البقرة : «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ»۱ بناءً على أن يكون الهدى في الموضعين مصدرا بمعنى اسم الفاعل للمبالغة ، ويكون في الأوّل حالاً عن القرآن ، وفي الثاني عبارة عن الإمام العالم بجميع القرآن ، ويكون «من» للسببيّة ، والظرف متعلّقا بـ «بيّنات» ، ويكون المراد بالفرقان المحكم من القرآن ، كما يجيء من أنّ أبا عبد اللّه عليه السلام قال : «القرآن جملة الكتاب والفرقان المحكم الواجب العمل به» في «كتاب فضل القرآن» في حادي عشر «باب النوادر» ، وهو الباب الرابع عشر .

المراد بالمحكم والمتشابه :

والمراد بالمحكم ما يعلم المراد به كلّ عارف باللغة العربيّة بدون حاجة إلى معلّم ، وليس بمنسوخ ، وبالمتشابه ضدّه ۲ ، فيشمل المأوّل والمجمل ، والظاهر والمنسوخ ، فيكون المراد أنّ جميع آيات القرآن حتّى متشابهاته تصير بيّنات بسبب أمرين ؛ الإمام العالم بجميع القرآن ، والمحكم الذي هو بيّن بنفسه ، ومرشد إلى ذلك الإمام ؛ لاشتماله على النهي عن اتّباع الظنّ والاختلاف في الفتوى والقضاء .
ومنها : قوله تعالى في سورة الحديد : «هُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ» . ۳

1.البقرة (۲) : ۱۸۵.

2.في «ج» : «عنده» .

3.الحديد (۵۷) : ۹ .


الشّافي في شرح أصول الكافي ج1
178

لبيان المناط ، أي فبشّرهم . وهو راجع إلى الذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها .
والظاهر ممّا يجيء في أوّل الثامن عشر وفي «كتاب الحجّة» في ۱ ثامن «باب التسليم وفضل المسلمين» أنّ القول أعمّ من قول اللّه وقول رسول اللّه وأوصيائه عليهم السلام ، واستماع القول عبارة عن ترك اتّباع الظنّ وترك الإصغاء إلى كلام أهل الظنّ ، و«أحسنه» مفعول به والضمير للقول .
وأحسن قول اللّه الآيات البيّنات المحكمات الناهية عن اتّباع الظنّ الآمرة بسؤال أهل الذِّكر عمّا لا يعلم بالبيّنات والزبر ، كما في سورة الزمر : «وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ»۲ ، وفيها : «اللّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابا مُتَشَابِها مَثَانِىَ» موافقا لما خوطب به موسى عليه السلام في سورة الأعراف بقوله تعالى : «وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا»۳ ، وفي سورة الحديد : «هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ»۴ .
وأحسن قول رسول اللّه وأوصيائه عليهم السلام في أمثال زماننا هذا أبعده عن تغيير الرواة لفظه اعتمادا على جواز النقل بالمعنى ، واتّباع أحسن القول العمل بمقتضاه ، سواء جاز الإفتاء والقضاء به أيضا ، كمضمون الآيات البيّنات المحكمات ، أم لا كمضمون أخبار الآحاد الجامعة لشروط العمل .
وقوله : «هَدَاهُمُ اللَّهُ» أي الراسخين في العلم وصراطهم المستقيم ، كما يجيء في الحديث عند قوله : «يا هشام إنّ اللّه حكى عن قوم صالحين» إلى آخره ، ومضى معنى اللبّ في شرح السابق وقوله : «هم اُولوالألباب» أي كلّ من التذكّر واللبّ المذكورين في سورة الزمر قبل هذه الآية في قوله : «قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ»۵ منحصر فيهم . والتذكّر : الاهتداء ، ولم يبالغ في الحصر

1.في «أ» : «من» .

2.الزمر (۳۹) : ۵۵ .

3.الأعراف (۷) : ۱۵۵ .

4.الحديد (۵۷) : ۹ .

5.الزمر (۳۹) : ۹ .

  • نام منبع :
    الشّافي في شرح أصول الكافي ج1
    تعداد جلد :
    2
    ناشر :
    دارالحدیث با همکاری سازمان اوقاف و امور خیریه
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1387
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 153064
صفحه از 602
پرینت  ارسال به