لكن بعد التسليم نقول : إنّ المجتهد لا يجوز له العمل برأيه ، فضلاً عمّن يقلّده ؛ بدلالة تلك المحكمات الكثيرة ، فليس الإمام في كلّ زمان إلى يوم القيامة إلّا العالم بجميع متشابهات القرآن وجميع الأحكام ، وتلك المحكمات تهدي الناس إلى الإمام الحقّ في كلّ زمان ، والإمام الحقّ يهدي الناس إلى معاني المتشابهات إن مُكّنَ ، والهادي إلى الهادي إلى الشيء هاد إلى ذلك الشيء ، فتلك المحكمات اُمّ الكتاب ؛ بمعنى أنّه يعرف بها جميع الكتاب ، إمّا بلا واسطة أو بواسطة الإمام الحقّ ، وإذا بطلت دعوى الطائفة الاُولى ومن يحذو حذوهم ثبت صدق دعوى الطائفة الثانية .
قال : ما ذكرتَ حقٌّ ، ولكنّ الطائفة الاُولى يستدلّون بآيات على مدّعاهم ، وإن كانت من المتشابهات .
قلت : قد أبطل اللّه تعالى في ذيل هذه الآية استدلالاتهم بقوله : «فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَا اللّهُ» إلى آخر الآية .
قال : هذا واضح ، ولم أسمعه إلى الآن من أحد ، وانقطع الكلام .
الثالث : أنّه قد اُشير إلى الحثّ على هذه السياقة في الاستدلال على الإمامة في آخر «كتاب الروضة» في خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام : «واعلموا أنّكم لن تعرفوا الرشد حتّى تعرفوا الذي تركه ، ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتّى تعرفوا الذي نقضه ، ولن تمسكوا به حتّى تعرفوا الذي نبذه» الخطبة . ۱
ووجهه أنّها أوضح الطرق وأدفعها لمشاغبات النواصب ، فالحصر مجاز ، وكأنّه مستنبط من نحو تقديم الكفر بالطاغوت على الإيمان باللّه في قوله تعالى : «فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا»۲ .
وحاصله : أنّه يثبت بذلك إمامة أهل البيت المعروفين الاثني عشر ـ سلام اللّه عليهم ـ إلى يوم المحشر بإبطال إمامة الثلاثة وأضرابهم بنصّ قطعي وبرهان يقيني من