اللّه ـ تعالى وتقدّس ـ مخالف للمحسوسات وذوات الأوضاع ، ولا يلزم منه أنّ كلّ ما هو ظاهر لك فهو الربّ ، فتدبّر. انتهى.
وأقول : لو كان مراد المحشّي ـ رفع درجته ـ ما أفاده السيّد ـ طاب ثراه ـ لما كان للكلام كثير فائدة ؛ إذ غاية المراد حينئذٍ ـ كما نصّ هو عليه ـ أنّ ربّنا مخالف للمحسوسات ، والزنديق لو كان سلّم وجود ربّ ، وأذعن بكونه غير محسوس ، لما أنكر البتّة كونه غير المحسوسات ، فلا احتياج إلى إفادته ، وأين له التسليم والإذعان وهو ينادي بنفي الربّ سبحانه ، ويطلب عليه الدليل والبرهان ، كما يجيء في تتمّة الحديث ، فالأنسب بالمقام إثبات الربّ له ، مع أنّه لايتمّ هذا المعنى إلّا بتخصيص الأشياء بالمحسوسات ولا مخصّص ظاهرا ، وأدلّة تجرّد النفوس والعقول مدخولة عند الفحول.
ثمّ إنّ تجويز كون «ربّنا» بيانا للضمير غريب عند الخبير ؛ لما تقرّر من أنّ الضمير كما لايوصف لا يعطف عليه عطفَ بيان.
قال ابن هشام في بحث «أن» المفتوحة الخفيفة من المغنى :
عطف البيان في الجوامد بمنزلة النعت في المشتقّات ، فكما أنّ الضمير لا ينعت [كذلك] لا يعطف عليه عطفَ بيان. وممّن نصّ عليها من المتأخّرين أبو محمّد ابن السيد وابن مالك ، والقياس معهما في ذلك. 1 انتهى.
فالظاهر أنّ مراد المحشّي ـ رفع درجته ـ أنّ المراد : إذا عجز الحواسّ عن إدراك أحد ، علم أنّه الربّ لا شيء من المحسوسات كما زعمه الزنديق على فرض تسليم وجود ربّ ، فيكون المراد صرف الربوبيّة عن المحسوس ـ كما هو زعم الزنديق ـ وقصرها على المجرّد قصرَ قلب.
والحاصل : أنّه لمّا ثبت بالبرهان أنّ في الوجود ربّا ، وأنّه لا يمكن أن يكون هو من صنف المحسوس ، علم أنّه من صنف المجرّد ، فيدلّ على أنّ التجرّد لازم للربوبيّة لا
1.مغنى اللبيب ، ج ۱ ، ص ۳۲.