جهة الاختراع والابتداع . والعبارة عن الاختراع هي أن تكون صدور المعلول من مجرّد جهة الفاعليّة بلا مشاركة حيثيّة القابليّة .
وأبطل عليه السلام بهذا الكلام مذهب الثنويّة القائلين بأصلين قديمين : أحدهما يسمّى عندهم بالنور ، والآخر بالظلمة ، ۱ ومذهب الصوفيّة القائلين بأنّ الموجودات الإمكانيّة هي صور وتعيّنات وهيئات عارضة للموجود الحقيقي تقدّس وتعالى ، وهو مادّة الموادّ وهيولى الهيوليّات . ۲
ومن بعض أشعارهم في هذه الخرافات :
وما الناس في التمثال إلّا كثلجةٍوأنت لها الماء الذي هو نابعُ
ولكن يذوب الثلج يرفع حكمهويوضع حكم الماء والأمرُ واقعُ۳
وإنّما حدا بهم إلى هذا المذهب الشنيع توهّمهم الباطل أنّ كلّ حادث لابدّ أن يكون له أصل يوجد منه ، وحدوث شيء لا من أصل وسنخ مُحال ، فلزم عليهم أحد الأمرين : إمّا القول بكونه تعالى مادّة الممكنات ، وإمّا القول بوجود أصل قديم أزلي غير الذات ، فذهب إلى الثاني الثنويّة ، وإلى الأوّل قوم من الصوفيّة الكفرة ، وهذا أشنع المذاهب وأقبحها ، فإنّه تعالى أجلّ وأعلى من أن يتلبّس بغيره ، أو يتلوّث ذاته بالاُمور الدنيّة .
فأبطل الصادق المصدّق الأمين موافقا لجدّه أمير المؤمنين ـ عليهما أفضل صلوات المصلّين ـ توهّم هؤلاء الضالّين المُضلِّين ببيان متقن متين ، وهو قوله عليه السلام : «وخلق المشيّة بنفسها» .
فأزال عليه السلام بقوله : «خلق المشيّة» توهّم القدميّة والأزليّة عن ذلك الأصل وتلك الحقيقة الأوّليّة التي هي أوّل المبادئ وجوهر جواهر العلل وذات الذوات ، والذات التي تذوّتت بها الذوات ، مكوّنة الكينونات ، وفاعلة المفعولات ، ومجهرة القوابل
1.نسبه الشهرستاني في الملل والنحل ، ج ۲ ، ص ۹۱ : إلى المرقيونيّة.
2.انظر الصوارم الحداد القاطعة لعلائق أرباب الاتّحاد ، ج ۱ ، ص ۵۸ .
3.البيتان للقطب الجيلي (المتوفى سنة ۸۳۲ق) في القصيدة المسمّاة بالبوادر العينيّة ، أوّله :
فؤاد به شمس المحبّة طالعوليس لنجم العذل فيه مواقع