الحديث الثاني عشر
۰.روى في الكافي: وقال أبو عبداللّه الأشعري، عن بعض أصحابنا، رفعه عن هشام بن الحكم، قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر عليهماالسلام:«يا هشام، إنّ اللّه تبارك وتعالى بشّر أهل العقل والفهم في كتابه فقال: «فَبَشِّرْ عِبَادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللّه ُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ» . يا هشام، إنّ اللّه تبارك وتعالى أكمل للناس الحجج بالعقول، ونصر النبيّين بالبيان، ودلّهم على ربوبيّته بالأدلّة، فقال: «وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَا هُوَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمُ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّه ُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَايَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ»۱ . يا هشام، قد جعل اللّه ذلك دليلاً على معرفته بأنّ لهم مدبّرا فقال: «وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَايَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ»۲ ، وقال: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمّىً وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ»۳ ، وقال: «إنّ في اختلاف الليل والنهار وما أنزل اللّه من السماء من رزق فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَايَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ»۴ ، وقال: «يُحْىِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاقَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الْايَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ»۵ ، وقال: «وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَايَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ»۶ ، وقال: «وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفا وَطَمَعا وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْىِ بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَايَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ»۷ ، وقال: «قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّه ُ إِلَا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ»۸ ، وقال: «هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْايَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ»۹ .
يا هشام، ثمّ وعظ أهل العقل ورغّبهم في الآخرة فقال: «وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْاخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ»۱۰ .
يا هشام، ثمّ خوّف الذين لا يعقلون عقابه فقال: «ثُمَّ دَمَّرْنَا الْاخَرِينَ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ»۱۱ .
وقال: «إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزا مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ»۱۲ .
يا هشام، إنّ العقل مع العلم، فقال: «وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَا الْعَالِمُونَ»۱۳ .
يا هشام، ثمّ ذمَّ الذين لا يعقلون فقال: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّه ُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئا وَلَا يَهْتَدُونَ»۱۴ .
وقال: «وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ»۱۵ ، وقال: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ»۱۶ ، وقال: «أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً»۱۷ ، وقال: «لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعا إِلَا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ»۱۸ ، وقال: «وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ»۱۹ .
يا هشام، ثمّ ذمَّ اللّه الكثرة فقال: «وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللّه ِ»۲۰ ، وقال: «ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولُنَّ اللّه قل الحمد للّه بل أكثرهم لايعلمون»۲۱ ، ۲۲ وقال: «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ اْلأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللّه ُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ»۲۳ .
يا هشام، ثمّ مدح القلّة فقال: «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ»۲۴ ، وقال: «وَقَلِيلٌ مَا هُمْ»۲۵ ، وقال: «وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللّه ُ»۲۶ ، وقال: «وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَا قَلِيلٌ»۲۷ ، وقال: «وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ»۲۸ ، وقال: «وأَكْثَرُهُمْ لا يَشْعُرُون». ۲۹
يا هشام، ثمّ ذكر اُولي الألباب بأحسن الذِّكر وحلّاهم بأحسن الحلية فقال: «يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرا كَثِيرا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ»۳۰ ، وقال: «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ»۳۱ ، وقال: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَايَاتٍ لِاُولِي الْأَلْبَابِ»۳۲ ، وقال: «أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ»۳۳ ، وقال: «أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدا وَقَائِما يَحْذَرُ الْاخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ»۳۴ ، وقال: «كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ»۳۵ ، وقال: «وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ* هُدىً وَذِكْرَى لِاُولِي الْأَلْبَابِ»۳۶ ، وقال: «وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ»۳۷ .
يا هشام، إنّ اللّه يقول في كتابه: «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ»۳۸ ، يعني عقل، وقال: «وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ»۳۹ . قال: الفهم والعقل.
يَا هِشَامُ ، إِنَّ لُقْمَانَ قَالَ لِابْنِهِ : تَوَاضَعْ للنّاس ۴۰ تَكُنْ أَعْقَلَ النَّاسِ ، وَإِنَّ الْكَيِّسَ لَدَى الْحَقِّ يَسِيرٌ ، يَا بُنَيَّ، إِنَّ الدُّنْيَا بَحْرٌ عَمِيقٌ قَدْ غَرِقَ فِيهَا عَالَمٌ كَثِيرٌ ، فَلْتَكُنْ سَفِينَتُكَ فِيهَا تَقْوَى اللّه ِ ، وَحَشْوُهَا الْاءِيمَانَ ، وَشِرَاعُهَا التَّوَكُّلَ ، وَقَيِّمُهَا الْعَقْلَ ، وَدَلِيلُهَا الْعِلْمَ ، وَسُكَّانُهَا الصَّبْرَ .
يَا هِشَامُ ، إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ دَلِيلاً ، وَدَلِيلُ الْعَقْلِ التَّفَكُّرُ ، وَدَلِيلُ التَّفَكُّرِ الصَّمْتُ ؛ وَلِكُلِّ شَيْءٍ مَطِيَّةً ، وَمَطِيَّةُ الْعَقْلِ التَّوَاضُعُ ؛ وَكَفى بِكَ جَهْلاً أَنْ تَرْكَبَ مَا نُهِيتَ عَنْهُ .
يَا هِشَامُ ، مَا بَعَثَ اللّه ُ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ إِلى عِبَادِهِ إِلَا لِيَعْقِلُوا عَنِ اللّه ِ ، فَأَحْسَنُهُمُ اسْتِجَابَةً أَحْسَنُهُمْ مَعْرِفَةً ، وَأَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اللّه ِ أَحْسَنُهُمْ عَقْلاً ، وَأَكْمَلُهُمْ عَقْلاً أَرْفَعُهُمْ دَرَجَةً فِي الدُّنْيَا وَالْاخِرَةِ .
يَا هِشَامُ ، إِنَّ لِلّهِ عَلَى النَّاسِ حُجَّتَيْنِ : حُجَّةً ظَاهِرَةً ، وَحُجَّةً بَاطِنَةً ، فَأَمَّا الظَّاهِرَةُ فَالرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالْأَئِمَّةُ ، وَأَمَّا الْبَاطِنَةُ فَالْعُقُولُ .
يَا هِشَامُ، إِنَّ الْعَاقِلَ ، الَّذِي لَا يَشْغَلُ الْحَلالُ شُكْرَهُ، وَلَا يَغْلِبُ الْحَرَامُ صَبْرَهُ.
يَا هِشَامُ ، مَنْ سَلَّطَ ثَلَاثا عَلَى ثَلَاثٍ ، فَكَأنَّمَا أَعَانَ عَلَى هَدْمِ عَقْلِهِ : مَنْ أَظْلَمَ نُورَ تَفَكُّرِهِ بِطُولِ أَمَلِهِ ، وَمَحَا طَرَائِفَ حِكْمَتِهِ بِفُضُولِ كَلَامِهِ ، وَأَطْفَأَ نُورَ عِبْرَتِهِ بِشَهَوَاتِ نَفْسِهِ ، فَكَأَنَّمَا أَعَانَ هَوَاهُ عَلى هَدْمِ عَقْلِهِ ، وَمَنْ هَدَمَ عَقْلَهُ ، أَفْسَدَ عَلَيْهِ دِينَهُ وَدُنْيَاهُ .
يَا هِشَامُ ، كَيْفَ يَزْكُو عِنْدَ اللّه ِ عَمَلُكَ ، وَأَنْتَ قَدْ شَغَلْتَ قَلْبَكَ عَنْ أَمْرِ رَبِّكَ ، وَأَطَعْتَ هَوَاكَ عَلى غَلَبَةِ عَقْلِكَ؟!
يَا هِشَامُ ، الصَّبْرُ عَلَى الْوَحْدَةِ عَلَامَةُ قُوَّةِ الْعَقْلِ ، فَمَنْ عَقَلَ عَنِ اللّه ِ ، اعْتَزَلَ أَهْلَ الدُّنْيَا وَالرَّاغِبِينَ فِيهَا ، وَرَغِبَ فِيمَا عِنْدَ اللّه ِ ، وَكَانَ اللّه ُ أُنْسَهُ فِي الْوَحْشَةِ ، وَصَاحِبَهُ فِي الْوَحْدَةِ ، وَغِنَاهُ فِي الْعَيْلَةِ ، وَمُعِزَّهُ مِنْ غَيْرِ عَشِيرَةٍ .
يَا هِشَامُ ، نُصِبُ الْحَقُّ لِطَاعَةِ اللّه ِ ، وَلَا نَجَاةَ إِلَا بِالطَّاعَةِ ، وَالطَّاعَةُ بِالْعِلْمِ ، وَالْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ ، وَالتَّعَلُّمُ بِالْعَقْلِ يُعْتَقَدُ ، وَلَا عِلْمَ إِلَا مِنْ عَالِمٍ رَبَّانِيٍّ ، وَمَعْرِفَةُ الْعِلْمِ بِالْعَقْلِ .
يَا هِشَامُ ، قَلِيلُ الْعَمَلِ مِنَ الْعَالِمِ مَقْبُولٌ مُضَاعَفٌ ، وَكَثِيرُ الْعَمَلِ مِنْ أَهْلِ الْهَوى وَالْجَهْلِ مَرْدُودٌ .
يَا هِشَامُ ، إِنَّ الْعَاقِلَ رَضِيَ بِالدُّونِ مِنَ الدُّنْيَا مَعَ الْحِكْمَةِ ، وَلَمْ يَرْضَ بِالدُّونِ مِنَ الْحِكْمَةِ مَعَ الدُّنْيَا ؛ فَلِذلِكَ رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ .
يَا هِشَامُ ، إِنَّ الْعُقَلَاءَ تَرَكُوا فُضُولَ الدُّنْيَا ، فَكَيْفَ الذُّنُوبَ ، وَتَرْكُ الدُّنْيَا مِنَ الْفَضْلِ ، وَتَرْكُ الذُّنُوبِ مِنَ الْفَرْضِ .
يَا هِشَامُ ، إِنَّ الْعَاقِلَ نَظَرَ إِلَى الدُّنْيَا وَ إِلى أَهْلِهَا ، فَعَلِمَ أَنَّهَا لَا تُنَالُ إِلَا بِالْمَشَقَّةِ ، وَنَظَرَ إِلَى الْاخِرَةِ ، فَعَلِمَ أَنَّهَا لَا تُنَالُ إِلَا بِالْمَشَقَّةِ ، فَطَلَبَ بِالْمَشَقَّةِ أَبْقَاهُمَا .
يَا هِشَامُ ، إِنَّ الْعُقَلَاءَ زَهِدُوا فِي الدُّنْيَا وَرَغِبُوا فِي الْاخِرَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا طَالِبَةٌ مَطْلُوبَةٌ ، وَالْاخِرَةَ طَالِبَةٌ وَمَطْلُوبَةٌ ، فَمَنْ طَلَبَ الْاخِرَةَ ، طَلَبَتْهُ الدُّنْيَا حَتّى يَسْتَوْفِيَ مِنْهَا رِزْقَهُ ، وَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا ، طَلَبَتْهُ الْاخِرَةُ ، فَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ فَيُفْسِدُ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ .
يَا هِشَامُ ، مَنْ أَرَادَ الْغِنى بِلَا مَالٍ ، وَرَاحَةَ الْقَلْبِ مِنَ الْحَسَدِ ، وَالسَّلامَةَ فِي الدِّينِ ، فَلْيَتَضَرَّعْ إِلَى اللّه ِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ فِي مَسْأَلَتِهِ بِأَنْ يُكَمِّلَ عَقْلَهُ ؛ فَمَنْ عَقَلَ ، قَنِعَ بِمَا يَكْفِيهِ ، وَمَنْ قَنِعَ بِمَا يَكْفِيهِ ، اسْتَغْنَى ، وَمَنْ لَمْ يَقْنَعْ بِمَا يَكْفِيهِ ، لَمْ يُدْرِكِ الْغِنى أَبَدا .
يَا هِشَامُ ، إِنَّ اللّه َ حَكى عَنْ قَوْمٍ صَالِحِينَ أَنَّهُمْ قَالُوا : « رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ »۴۱ حِينَ عَلِمُوا أَنَّ الْقُلُوبَ تَزِيغُ وَتَعُودُ إِلى عَمَاهَا وَرَدَاهَا ؛ إِنَّهُ لَمْ يَخَفِ اللّه َ مَنْ لَمْ يَعْقِلْ عَنِ اللّه ِ ، وَمَنْ لَمْ يَعْقِلْ عَنِ اللّه ِ ، لَمْ يَعْقِدْ قَلْبَهُ عَلى مَعْرِفَةٍ ثَابِتَةٍ يُبْصِرُهَا وَيَجِدُ حَقِيقَتَهَا فِي قَلْبِهِ ، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ كَذلِكَ إِلَا مَنْ كَانَ قَوْلُهُ لِفِعْلِهِ مُصَدِّقا ، وَسِرُّهُ لِعَلَانِيَتِهِ مُوَافِقا ؛ لِأَنَّ اللّه َ ـ تَبَارَكَ اسْمُهُ وتعالى ـ لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْبَاطِنِ الْخَفِيِّ مِنَ الْعَقْلِ إِلَا بِظَاهِرٍ مِنْهُ وَنَاطِقٍ عَنْهُ .
يَا هِشَامُ ، كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام يَقُولُ : مَا عُبِدَ اللّه ُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنَ الْعَقْلِ ، وَمَا تَمَّ عَقْلُ امْرِىً?حَتّى يَكُونَ فِيهِ خِصَالٌ شَتّى : الْكُفْرُ وَالشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونَانِ ، وَالرُّشْدُ وَالْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولَانِ ، وَفَضْلُ مَالِهِ مَبْذُولٌ ، وَفَضْلُ قَوْلِهِ مَكْفُوفٌ ، وَنَصِيبُهُ مِنَ الدُّنْيَا الْقُوتُ ، لَا يَشْبَعُ مِنَ الْعِلْمِ دَهْرَهُ ، الذُّلُّ أَحَبُّ إِلَيْهِ مَعَ اللّه ِ مِنَ الْعِزِّ مَعَ غَيْرِهِ ، وَالتَّوَاضُعُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الشَّرَفِ ، يَسْتَكْثِرُ قَلِيلَ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَيَسْتَقِلُّ كَثِيرَ الْمَعْرُوفِ مِنْ نَفْسِهِ ، وَيَرَى النَّاسَ كُلَّهُمْ خَيْرا مِنْهُ ، وَأَنَّهُ شَرُّهُمْ فِي نَفْسِهِ ، وَهُوَ تَمَامُ الْأَمْرِ .
يَا هِشَامُ ، إِنَّ الْعَاقِلَ لَا يَكْذِبُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ هَوَاهُ .
يَا هِشَامُ ، لَا دِينَ لِمَنْ لا مُرُوءَةَ لَهُ ، وَلَا مُرُوءَةَ لِمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ ، وَإِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ قَدْرا الَّذِي لَا يَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِهِ خَطَرا ، أَمَا إِنَّ أَبْدَانَكُمْ لَيْسَ لَهَا ثَمَنٌ إِلَا الْجَنَّةُ ، فَلَا تَبِيعُوهَا بِغَيْرِهَا .
يَا هِشَامُ ، إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام كَانَ يَقُولُ : إِنَّ مِنْ عَلَامَةِ الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ : يُجِيبُ إِذَا سُئِلَ ، وَيَنْطِقُ إِذَا عَجَزَ الْقَوْمُ عَنِ الْكَلَامِ ، وَيُشِيرُ بِالرَّأْيِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ صَلَاحُ أَهْلِهِ ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ هذِهِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ شَيْءٌ ؛ فَهُوَ أَحْمَقُ ؛ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام قَالَ : لَا يَجْلِسُ فِي صَدْرِ الْمَجْلِسِ إِلَا رَجُلٌ فِيهِ هذِهِ الْخِصَالُ الثَّلَاثُ ، أَوْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهُنَّ فَجَلَسَ ، فَهُوَ أَحْمَقُ .
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عليهماالسلام : إِذَا طَلَبْتُمُ الْحَوَائِجَ ، فَاطْلُبُوهَا مِنْ أَهْلِهَا ، قِيلَ : يَا ابْنَ رَسُولِ اللّه ِ ، وَمَنْ أَهْلُهَا؟ قَالَ : الَّذِينَ قَصَّ اللّه ُ فِي كِتَابِهِ وَذَكَرَهُمْ ، فَقَالَ : «إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ» قَالَ : هُمْ أُولُو الْعُقُولِ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليهماالسلام : مُجَالَسَةُ الصَّالِحِينَ دَاعِيَةٌ إِلَى الصَّلاحِ ، وَإِدْآبُ الْعُلَمَاءِ زِيَادَةٌ فِي الْعَقْلِ ، وَطَاعَةُ وُلَاةِ الْعَدْلِ تَمَامُ الْعِزِّ ، وَاسْتِثْمَارُ الْمَالِ تَمَامُ الْمُرُوءَةِ ، وَإِرْشَادُ الْمُسْتَشِيرِ قَضَاءٌ لِحَقِّ النِّعْمَةِ ، وَكَفُّ الْأَذى مِنْ كَمَالِ الْعَقْلِ ، وَفِيهِ رَاحَةُ الْبَدَنِ عَاجِلاً وَآجِلاً .
يَا هِشَامُ ، إِنَّ الْعَاقِلَ لَا يُحَدِّثُ مَنْ يَخَافُ تَكْذِيبَهُ ، وَلَا يَسْأَلُ مَنْ يَخَافُ مَنْعَهُ ، وَلَا يَعِدُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَرْجُو مَا يُعَنَّفُ بِرَجَائِهِ ، وَلَا يتقدّم ۴۲ عَلى مَا يَخَافُ فَوْتَهُ بِالْعَجْزِ عَنْهُ» .
1.البقرة (۲): ۱۶۳ ـ ۱۶۴.
2.النحل (۱۶): ۱۲.
3.غافر (۴۰): ۶۷ .
4.إشارة واقتباس من الآية ۱۶۴ من سورة البقرة (۲)؛ والآية ۵ من هذه العبارة سورة الجاثية (۴۵). وفي الكافي المطبوع أورد بدل هذه العبارة الآية ۶۴ من البقرة (۲): «إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس و ما أنزل اللّه من السماء من ماءٍ فأحيابه الأرض بعد موتها وبثّ فيها من كلّ دابّة وتصريف الرياح والسّحاب المسخّر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون».
5.الحديد (۵۷): ۱۷.
6.الرعد (۱۳): ۴.
7.الروم (۳۰): ۲۴.
8.الأنعام (۶): ۱۵۱.
9.الروم (۳۰): ۲۸.
10.الأنعام (۶): ۳۲.
11.الصافّات (۳۷): ۱۳۶ ـ ۱۳۸.
12.العنكبوت (۲۹): ۳۴ ـ ۳۵.
13.العنكبوت (۲۹): ۴۳.
14.البقرة (۲): ۱۷۰.
15.البقرة (۲): ۱۷۱.
16.يونس (۱۰): ۴۲.
17.الفرقان (۲۵): ۴۴.
18.الحشر (۵۹): ۱۴.
19.البقرة (۲): ۴۴.
20.الأنعام (۶): ۱۱۶.
21.ما أثبتناه نصّ القرآن، وفي النسخ : «لايعقلون». ولعلّه خطأ من النسّاخ أو تصحيف من الرواة. وقال المجلسي في مرآة العقول، ج ۱، ص ۵۰ : «ويحتمل أن يكون نقل بالمعنى إشارة إلى ما مرّ من استلزام العقل للعلم».
22.لقمان (۳۱): ۲۵.
23.العنكبوت (۲۹): ۶۳ .
24.سبأ (۳۴): ۱۳.
25.ص (۳۸): ۲۴.
26.غافر (۴۰): ۲۸.
27.هود (۱۱): ۴۰.
28.الأنعام (۶): ۳۷؛ الأعراف (۷): ۱۳۱. وموارد اُخرى.
29.لاتوجد في القرآن الكريم آية بهذا اللفظ.
30.البقرة (۲): ۲۶۹.
31.آل عمران (۳): ۷.
32.آل عمران (۳): ۱۹۰.
33.الرعد (۱۳): ۱۹.
34.الزمر (۳۹): ۹.
35.ص (۳۸): ۲۹.
36.غافر (۴۰): ۵۳ ـ ۵۴.
37.الذاريات (۵۱): ۵۵.
38.ق (۵۰): ۳۷.
39.لقمان (۳۱): ۱۲.
40.في الكافي المطبوع : «للحقّ».
41.آل عمران (۳): ۸ .
42.في «ج» و هامش «ب» : «ولايقدم».