217
الهدايا لشيعة ائمة الهدي ج1

الهدايا لشيعة ائمة الهدي ج1
216

هديّة :

(أبو عبداللّه الأشعري) هو الحسين بن محمّد الأشعري.
وصدر السند في بعض النسخ المعتبرة : «بعض أصحابنا رفعه».
قال الفاضل الاسترآبادي رحمه الله:
قوله: «أبو عبداللّه الأشعري عن بعض أصحابنا رفعه عن هشام»: أوّل السند في النسخ المعتبرة: «بعض أصحابنا رفعه». ويأتي في مواضع من الكافي ككتاب النكاح: «أبو عبداللّه الأشعري»، وهو الحسين بن محمّد الأشعري «عن بعض أصحابنا رفعه»، وهنا نسخ مختلفة، ففي بعضها ما ذكرناه، وفي بعضها: «بعض أصحابنا رفعه»، وفي بعضها : «أبو عليّ الأشعري [رفعه] ۱ »، وفي بعضها : «أبو عبداللّه الأشعري رفعه». وهو الظاهر ۲ ؛ لأنّه المتعارف في هذا الكتاب. ۳ انتهى.
ما «هو الظاهر» هو الأكثر.
و(أهل العقل): هم الحجج المعصومون وشيعتهم، وغيرهم جهلاء وإن كانوا مهراء في فنون الشيطنة والنَكراء.
والآية في سورة الزمر هكذا: «وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللّه ِ لَهُمْ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ»۴ الآية. وتبعيّة «أحسن القول» قول اللّه ، أو قول العاقل عن اللّه : هو الأخذ بالمحكمات، وبالمتشابهات أيضا بتأويلها بالعلاجات المذكورة عنهم عليهم السلام .
وقال برهان الفضلاء:
«أحسن القول» يعني المحكمات الناهية عن تبعيّة الظنّ فيما يجري فيه وفي دليله الاختلاف بلا مكابرة، والدالّة على وجوب إمام عالم بجميع الأحكام إلى انقراض الدنيا. قال اللّه في سورة الحديد: «هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللّه َ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ»۵ ، وفي سورة آل عمران: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ»۶ ، وفي سورة الزمر: «اللّه ُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابا مُتَشَابِها مَثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللّه ِ ذَلِكَ هُدَى اللّه ِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللّه ُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ»۷ ، وفي سورة الزمر أيضا: «اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ»۸
، والقول مطلق من قول اللّه والرسول وأوصيائه عليهم السلام . انتهى.
وقد سبق في بيان الخطبة أنّ العمل بالظنّ في زمن الغيبة منه ما ۹ رخّص فيه ـ لنفي الحرج المنفيّ ۱۰ ـ للعالم الممتاز العدل الإماميّ الحاذق في المعالجات على ما فصّل.
(أَكْمَلَ لِلنَّاسِ الْحُجَجَ بِالْعُقُولِ): إشارة إلى المعرفة الفطريّة بآثار الصنع وشواهد الربوبيّة.
(وَنَصَرَ النَّبِيِّينَ بِالْبَيَانِ): إشارة إلى المعرفة الدينيّة بالعقل عن الحجج المعصومين العاقلين عن اللّه سبحانه.
(وَدَلَّهُمْ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ بِالْأَدِلَّةِ) أي العقليّة والسمعيّة.
وقال الفاضل الاسترآبادي:
«أكمل للناس الحجج بالعقول»، يعني خلق في الناس العقل بمعنى الغريزة، ولولا ذلك لما تمّ لأحدٍ حجّة ولا دليل على الآخر؛ لأنّ العاقل الناظر ۱۱ المتفكّر لا يستطيع أن يجحد المقدّمات الواضحة الحقيقة، ۱۲ الواضحة الاستلزام للمدّعى.
«نصر النبيّين بالبيان»، على الأمر ۱۳ ، يعني بأن ألهمهم وأوحى إليهم بمقدّمات واضحة الحقيقة، ۱۴ واضحة الدلالة على المدّعى عند الخصم، مؤثّرة في قلبه بحسب استعداده. وفيه تنبيه على أنّ صنع الأنبياء عليهم السلام مجرّد البيان.
وأمّا خلق نور ترتّب عليه قبول الحقّ والاعتراف، فهو صنع اللّه بالنسبة إلى مَن يشاء، وهو الذي ثبتت منه الطاعة يوم الميثاق، وهو الذي إذا خلّي وإرادته يختار الحقّ وأهله لا هوى نفسه.
«دلّهم على ربوبيّته بالأدلّة» يعني بعد خلق العقل فيهم دلّهم على أنّ لهم مدبّرا على لسان نبيّه صلى الله عليه و آله بالأدلّة، فالقول بأنّ معرفته ضروريّة من توهّم بعض الرواة ۱۵ . انتهى.
أقول: آخر بيانه غفلة عن قوله تعالى: «فِطْرَةَ اللّه ِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا»۱۶ ، والمنكر للمعرفة الفطريّة منكر بلسانه، كما يستفاد من الحديث. وقد سبق ذكره، وسيجيء في كتاب التوحيد إن شاء اللّه تعالى.
وآية «وَإِلهُكُمْ إِلَهٌ واحِدٌ» في سورة البقرة.
(قَدْ جَعَلَ اللّه ُ ذلِكَ) أي المذكورات في هذه الآية.
وآية «وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ» في سورة النحل. وآية: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ» في سورة المؤمن. و(قال) قبلها عطف على (فقال): «وَإِلهُكُمْ» » لا على (فقال وسخّر).
(أَشُدَّكُمْ) أي كمال قوّتكم، وأوان كمال عقلكم.
وآية: «إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللّه ُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ» في سورة الجاثية، لكن بمضمونها، فنقل بالمعنى، أو قراءة غير مشهورة، أو سهو من سلف النسّاخ. وفي المصاحف: «واختلال الليل والنهار» بالواو مكان «إنّ» ومكان «لآيات»: «آيات».
وفسّر الرزق بالماء ، وهو السبب.
وآية: «يُحْىِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها» في سورة الحديد. وآية: «وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ» في سورة الرعد.
«صِنْوَانٌ» أي نخلات تكون من أصل واحد ، إذا خرج نخلتان أو أكثر من أصل واحد فكلّ واحدة : «صنو» والاثنتان : «صنوان» بكسر النون والجمع : «صنوان» بالتنوين. وفي حديث العبّاس : «عمّ الرجل صنو أبيه». ۱۷
«وَغَيْرُ صِنْوَانٍ» متفرّقات مختلفة الاُصول.
وآية: «وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفا وَطَمَعا» في سورة الروم. «خوفا» من نحو الصاعقة والغيث الضارّ ، والبداء في الأمطار . و«طمعا» في الغيث النافع.
وآية: «قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ» في سورة الأنعام. و«الإملاق»: الفقر؛ أي من خوفه. وقد صرّح به في قوله تعالى: «وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ» .
«ما ظَهَرَ مِنْها» بالعلانية. «وما بَطَنَ» بالإخفاء عن الناس.
وآية: «هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ» في سورة الروم، «مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ» من نحو العبيد والإماء، «فِي ما رَزَقْنَاكُمْ» من الأموال؛ يعني أنّ الذي لكم ليس في الحقيقة ، بل هو للّه سبحانه ومن رزقه ، فإذا لم يجز أن يكون لكم شريك من أمثالكم في مالكم من حيث الاسم والإنسانيّة ؛ حيث لا تصرّف لكم في أرواحهم وإنسانيّتهم، فكيف يجوز أن يكون له شريك من مخلوقاته في ماله؟!
«فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ» على الاستفهام ، أي ولستم ومماليككم في شيءٍ ممّا تملكون سواء، فليس للّه شريك في شيء ممّا يملكه في ملكه، بل كلّ شيء فهو للّه .
«تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أنْفُسَكُمْ» أي لستم تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ؛ إذ ليس لهم حرمة كحرمة الأحرار.
(ثمّ وعظ) أي بعد إكمال الحجج ، ونصرة النبيّين ، والدلالة على الربوبيّة لم يكتف بها بل وعظ.
وآية: «وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ» في سورة الأنعام. وفي التفسير : يعني وما اكتفاؤنا بالحياة الدنيا إذا لم يكن بعدها دار آخرة إلّا لهوٌ ولعب ۱۸ . وقد قال في سورة الأنبياء: «وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمْ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ»۱۹ .
وآية: «ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ * وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ» في سورة الصافّات.
(ثمّ دمّرنا الآخرين) : أهلكناهم ، يعني قوم لوط عليه السلام .
(لتمرّون عليهم)؛ قيل: على منازلهم في متاجركم إلى الشام ؛ فإنّ بلدتهم المسمّاة ب «السدوم» في طريقها «مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ» . وفسّر بالمرور على قصّتهم في القرآن في عدّة مواضع مصبحين بقراءة القرآن وملابسين بقراءته بالليل.
وآية: «إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزا مِنَ السَّمَاءِ» في سورة العنكبوت.
و«الرّجز» : العذاب .
(آية بيّنة) : قصّة قوم لوط المشهورة ، أو آثار الدِّيار الخربة.
(إنّ العقل مع العلم) أي العقل المتّصف بقدر من أقدار الكمال إنّما هو مع العلم المأخوذ عن الحجّة المعصوم العاقل عن اللّه سبحانه.
وآية: «وَتِلْكَ الْأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ» في سورة العنكبوت أيضا.
وآية: «وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللّه ُ» في سورة البقرة.
«أَلْفَيْنَا» : وجدنا.
وآية: «وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ» في سورة البقرة أيضا.
نعق الراعي بالغنم ـ كضرب ـ : صاح بها.
وآية: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ» في سورة يونس لكن في المصاحف «يَسْتَمِعُونَ» . و«يستمع» بلا توافق التتمّة في سورة الأنعام، وفي سورة محمّد ۲۰ ، فنقل بالمعنى ، أو قراءة غير مشهورة ، أو سهو مضبوط.
وآية: «أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ» في سورة الفرقان.
«بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً» ؛ لوجوهٍ ظاهرةٍ ، منها : عدم اتّصاف الأنعام بالعناد.
وآية: «لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعا إِلَا فِى قُرىً مُحَصَّنَةٍ» ؛ في سورة الحشر . أي اليهود، محصّنة بالحيطان والسّيران والخنادق وغير ذلك.
(جميعا) أي متّفقين.
وآية: «وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ» في سورة البقرة.
(ثمّ ذمّ اللّه الكثرة) أي كثرة أهل الجهل . ومن دلائلهم لمذاهبهم كثرة عددهم وقد يدّعون الإجماع بها.
وآية: «وَإِنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ» في سورة الأنعام.
وآية: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّه ُ» في سورة لقمان، لكن في المصاحف : «لا يعلمون» مكان «لا يعقلون»، فنقل بالمعنى ، أو قراءة غير مشهورة ، أو سهو مضبوط من سلف النسّاخ.
وآية: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً» في سورة العنكبوت.
وآية: «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ» في سورة سبأ.
وآية: «وَقَلِيلٌ مَا هُمْ» في سورة ص . أي ما أقلّ من آمن باللّه واليوم الآخر وعمل الصالحات.
«وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ» في سورة المؤمن.
وآية: «وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلّا قَلِيلٌ» في سورة هود؛ يعني مع نوح عليه السلام . وفسّر القليل باثنين وسبعين نفرا ، سبعة من أهله ، ثلاثة منهم أبناؤه: سام وهام ويافث ، وأربعة: ۲۱ زوجته ، وزوجات أبنائه عليهم السلام .
«وَلكِنَّ أكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ» في سورة الدخان ، ويونس ، والقصص.
«وَأكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ» في سورة المائدة.
قال الفاضل الاسترآبادي:
ما بعث اللّه رسله إلى عباده إلّا ليعقلوا الدين عن اللّه على لسان رسله ؛ لعلم اللّه بأنّ غير ذلك من الطريق ۲۲ كالرياضة والمناظرة قد يُخطئ وقد يصيب . كلّ ذلك بتقدير اللّه وقضائه وللحِكَم المنظورة له في ذلك. ۲۳ انتهى.
قد مرَّ أنّ المعرفة الفطرية بتوسّط العقول، والدّينيّة بتوسّط المعصومين العاقلين عن اللّه . وبيانه هذا إقرار بما أنكر ، وقد ذكر عنه آنفا.
«وَأكْثَرُهُمْ لا يَشْعُرُونَ» . ليس في المصاحف، فإمّا نقل بالمعنى ، أوقراءةٌ غير مشهورة ، أو سهو. ففي سورة المؤمنون «بَل لَا يَشْعُرُونَ»۲۴ ، وفي سورة يونس والنمل ۲۵«أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ» ، و«الحِلية» بالكسر: للسيف وحلية الرجل صفته ويفتح فيهما.
وآية: «يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ» في سورة البقرة.
و«الحكمة» : علم الدِّين ، ولغة العلم الصحيح . واشتقاقها من الحَكَمة بالتحريك ، أي حديد اللّجام المانع للدابّة من الوقوع في الورطة.
قال برهان الفضلاء: ذكر المضارع في «وَمَنْ يُؤْتَ» ، وذكر «قد» والماضي في «فَقَدْ أُوتِيَ» نظير «إِلَا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّه ُ»۲۶ الإشعار بأنّ الخير الكثير مقدَّم على الحكمة وباعثها، كما أنّ الحكمة مقدَّمة على المغفرة والفضل وباعثهما . و«الخير» هنا ، ضدّ الفقر المذكور في الآية السابقة على هذه الآية. والمراد الثروة وما يجري مجراها ويكون أفضل منها. انتهى.
وآية: «وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» في سورة آل عمران ، يعني الأئمّة عليهم السلام .
وآية: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ» في سورة آل عمران أيضا.
وآية: «أَفَمَنْ يَعْلَمُ أنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ» في سورة الرعد.
وآية: «أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ» في سورة الزمر.
وآية: «كِتَابٌ أنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ» في سورة ص.
وآية: «وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى» في سورة المؤمن.
وآية: «وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ» في سورة الذاريات.
و«الذّكري» و«الذُّكْرَة» : نقيض النسيان ، ك «الذّكر» أيضا بالكسر.
وآية: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ» في سورة ق.
وآية: «وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ» في سورة لقمان.
(قَالَ : الْفَهْمَ وَالْعَقْلَ) ، يعني عن الحجّة المعصوم المضبوط عدده في علم اللّه ، وتقديره من أوّل الدنيا إلى انقراضها.
ولم يكن لقمانُ نبيّا ولا وصيّا، قد اشتهر أنّه خدم أربعمائة من الحجج المعصومين.
قال السيّد الأجلّ النائيني رحمه الله:
يعني أعطاه اللّه تعالى الفهم والعقل ، وعليهما مدار الحكمة التي هي المعرفة الحقّة والتخلّق بالخُلق الحسن الجميل ، وباستعمالهما يحصل الحكمة، فكان إعطاؤهما إعطاؤها ۲۷ . انتهى .
غرضه من المعرفة الحقّة ، المعرفة الدينيّة التي لا تحصل إلّا بتوسّط المعصوم العاقل عن اللّه سبحانه.
(تَوَاضَعْ لِلْحَقِّ) قال في القاموس: تواضع : تذلّل وتخاشع. ۲۸
قيل : يعني مع الخلق للّه ۲۹ . أو المعنى أطع لمَن هو حجّة معصوم عاقل عن اللّه . وفي الحديث: «مَن تواضع للّه رفعه اللّه » ۳۰ . و«الأعقل» مقول بالتشكيك فلا إشكال.
قال برهان الفضلاء سلّمه اللّه : أي لأحكام كتاب اللّه تعالى.
وقال السيّد الأجلّ النائيني رحمه الله:
المراد بالتواضع للحقّ ، الإقرار به ، والإطاعة والانقياد له . والإقرار بالحقّ دليل العقل ؛ لأنّ العقلَ يأمر به ، والجهل يمنع عنه ۳۱ . انتهى.
لا يقطع عقل بحقّيّة شيء من المتشابهات إلّا بالعقل عن اللّه ، أو بتوسّط عاقل عن اللّه ؛ لانحصار الأعلميّة بما في هذا النظام العظيم في مدبّره الحكيم تعالى شأنه.
(الْكَيْسَ) بالفتح ، والكياسة : خلاف الحمق، فقوله: (وإنّ الكيّس لدى الحقّ يسير) يحتمل ك «سيّد» ، يعني أنّ ذا الكيّس العاقل عن العاقل عن اللّه قليل. وقيل :
يعني أنّ كياسة الإنسان ـ وهي عقله وفطانته ـ يسير عند الحقّ لا قدر له ، وإنّما الذي له قدر عند اللّه هو التواضع والمسكنة والخضوع والافتقار إليه. ۳۲
وقال برهان الفضلاء: أي المعامل بالمحكمات الناهية عن العمل بالظنّ قليل.
وقال السيّد السند أمير حسن القائني رحمه الله: يعني أنّ الكيّس عند الحقّ يسير منقادٌ له غير عسير.
وقال السيّد الأجلّ النائيني رحمه الله :
في المصادر: الكيّس والكياسة : «زيرك شدن». والكيس : «به زيركى غلبه كردن». فيحتمل أن يكون «اليسير» بمعنى القليل، والكيس بأوّل المعنيين ؛ وأن يكون اليسير مقابل العسير، والكيس بأحد المعنيين. والمراد : أنّ إدراك الحقّ ومعرفته لدى موافاته بالكياسة يسير، أو أنّ الغلبة بالكياسة عند القول بالحقّ والإقرار به يسير. ويحتمل أن يكون «الكيّس» بالتشديد ، أي ذو الكياسة عند ظهور الحقّ بإعمال الكياسة والإقرار بالحقّ قليل ۳۳ . انتهى.
واحتمال لذي الحقّ ، أي الإمام ، يعني معرفته أوعارفه كماترى.
(قَدْ غَرِقَ فِيهَا) كعَلِمَ (عَالَمٌ كَثِيرٌ) ، يُحتمل فتح اللّام وكسرها، وظاهر برهان الفضلاء فتحها، وقد فسّرها بجمع كثير.
«حَشْو السفينة» : متاعها.
و«شراع السفينة» ككتاب : ما يهيّأ للرياح.
(إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ دَلِيلاً) أي هاديا إلى أنّه حقّ أو باطل.
(وَدَلِيلُ الْعَقْلِ التَّفَكُّرُ) أي العقل ۳۴ الصواب ، أو إصابة العقل : التفكّر في آلاء اللّه ، وآثار قدرته ، واستحكام نظام العام بحكمته وتدبيره بحيث لا يتصوّر ما فوقه، فلابدّ من وجود حجّة معصوم عاقل عن الأعلم به ؛ ليرتفع الاختلاف ، ولئلّا يكون للناس على اللّه حجّة بعد الرسل. والعاقل لا يبني فكره إلّا على استحكام هذا النظام بهذا الاستحكام فيميّز الفكر السخيف ، كما عليه مدار مشايخ القدريّة عن مستقيمه ، كما هو ملكة العاقل عن اللّه تعالى.
قال برهان الفضلاء سلّمه اللّه تعالى :
«شيء» في الموضعين : مصدر باب عَلِمَ بمعنى المشيئة ، ويستعمل في المعنى المتعارف ؛ لأنّ كلّ شيء إنّما هو بمشيئة اللّه سبحانه كما سيجيء في كتاب التوحيد في الباب الخامس والعشرين، باب أنّه لا يكون شيء في الأرض ولا في السماء إلّا بسبعة.
والمراد ب «التفكّر» هنا : التفكّر في عواقب الاُمور.
وقال السيّد الأجلّ النائيني رحمه الله: «وَدَلِيلُ الْعَقْلِ التَّفَكُّرُ» ؛ فإنّ العقل يصل إلى مطلوبه بالتفكّر. «وَدَلِيلُ التَّفَكُّرِ الصَّمْتُ» ؛ فإنّ التفكّر يتمّ به ۳۵ ، انتهى.
و«الصمت» بالفتح : مصدر صمت كنصر.
و«المَطِيّة» كالعطيّة: الناقة القويّة التي يركب ويحمل مَطاها ـ بالفتح والقصر ـ أي ظهرها.
(وَمَطِيَّةُ الْعَقْلِ التَّوَاضُعُ) أي التذلّل والانقياد لقول المعصوم العاقل عن اللّه .
(أَنْ تَرْكَبَ) على المعلوم : من باب عَلِمَ. وارتكاب المنهيّ عنه ينشأ من نقصان العقل.
قال برهان الفضلاء: ما نهيت عنه من تبعيّة الظنّ والاجتهاد بالرأي.
وقال السيّد الأجلّ النائيني رحمه الله:
«وَمَطِيَّةُ الْعَقْلِ التَّوَاضُعُ» يعني التذلّل والانقياد للأوامر والنواهي ، فمَن ركب المنهيّ عنه ولم يتواضع للأوامر والنواهي بقي عقله بلا مطيّة ، فيصير إلى الجهل ۳۶ . انتهى .
أي بقدر نقص عقله.
(فَأَحْسَنُهُمُ اسْتِجَابَةً) أي لقبول دعوة المعصوم مطيعا منقادا.
(وأَحْسَنُهُمْ مَعْرِفَةً) يعني دينيّة.
(وَأَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اللّه ِ) : بحجّيّة الإمام ، وحقّيّة الشرائع والأحكام.
قال السيّد الأجل النائيني رحمه الله:
لمّا كان غاية البعثة والإرسال حصول معرفة اللّه ، فمَن كان أحسن معرفةً كان أحسن استجابةً ، ومَن كان أحسن عقلاً كان أعلم بأمر اللّه وأعمل به ، فالأكمل عقلاً أرفع درجةً؛ حيث يتعلّق رفع الدرجة؛ بكمال ما هو الغاية ۳۷ . انتهى.
أي رفع الدرجات ۳۸ في الدنيا بكثرة العزّة ، وفي الآخرة في الموقف والجنّة.
(إِنَّ لِلّهِ عَلَى النَّاسِ حُجَّتَيْنِ) دلالةٌ على أنّ المعرفة الدينيّة لا تطلب إلّا ممّن له المعرفة الفطريّة التي حاصلةٌ بشواهد الربوبيّة لكلّ بالغ عاقل بالعقل الذي مناط التكليف.
وقال الفاضل الاسترآبادي رحمه الله:
«إنّ للّه على الناس حجّتين» ، يعني يحتجّ اللّه على عبده يوم القيامة بين الخلق [فيقول ۳۹ ] : أما بيّنت لك الطريقة المرضيّة عندي والغير المرضيّة عندي على لسان النبيّ عليه السلام . وكذلك يحتجّ عليه في قلبه بأنّه : أما خلقت في قلبك الطريقة المرضيّة والطريقة الغير المرضيّة بوسيلة بيان النبيّ عليه السلام ۴۰ . انتهى.
لا يخفى غناء أحد الاحتجاجين على بيانه عن الآخر.
(لَا يَشْغَلُ الْحَلالُ شُكْرَهُ) ، على المضارع المعلوم ، من باب منع أو الإفعال. و«الشّغل» بفتح الشين ويضمّ : المنع . و«شكره»: مفعول به.
قال برهان الفضلاء:
أي لا يكسب الحلال إلّا بقدرٍ لا يمنع فعل ما وجب عليه ، كما قال اللّه تعالى في سورة النور: «رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّه ِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْما تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ»۴۱ .
(بِطُولِ أَمَلِهِ) ؛ فإنّ طول الأمل للأهواء يُقسي القلب ، فيمنع من التفكّر كما ينبغي.
و«الطّرائف» : جمع طريفة ، كشرائف وشريفة؛ أي غرائب حكمته.
(كَيْفَ يَزْكُو عِنْدَ اللّه ِ عَمَلُكَ) أي كيف يطهر ، ويخلص ، وينمو. فمَن عقل عن اللّه بالعصمة ، أو بالعاقل عن اللّه اعتزل أهل الدنيا ـ وهم الجهلاء ـ إلّا تقيّةً، والدنيا دنياءان حرام شؤم ، وحلال مبارك . و«لا رهبانيّة في الإسلام» ۴۲ .
(وَكَانَ اللّه ُ أُنْسَهُ) أي مؤنسه. (فِي الْوَحْشَةِ) أي إذا اتّفقت معاشرته الجهلاء. «الاُنس» بالضمّ : المصاحب ، ويكسر ويُحرّك.
(وَصَاحِبَهُ فِي الْوَحْدَةِ) أي العزلة عن الجهلاء.
و(الْعَيْلَةِ) : بالفتح: الفاقة.
(وَمُعِزَّهُ مِنْ غَيْرِ عَشِيرَةٍ) على اسم الفاعل من الإفعال. وضبط برهان الفضلاء : ومَعَزَّه: بفتحتين مصدرا ميميّا ، بمعنى العزّة ، للتناظر.
(نُصِبُ الْحَقُّ لِطَاعَةِ اللّه ِ) أي الحجّة المعصوم العاقل عن اللّه .
(وَلَا نَجَاةَ إِلَا بِالطَّاعَةِ) ، طاعة مفترض الطاعة.
(وَالطَّاعَةُ بِالْعِلْمِ) أي طاعة اللّه المرضيّة إنّما هي باليقين، ولا يحصل اليقين في المختلف فيه إلّا بالتعلّم من العاقل عن اللّه الأعلم بما في نظام العالم، فردٌّ على مبتدعي ۴۳ الرسوم المخترعة في الطاعة وما أكثر في طريقة الصوفيّة القدريّة.
في بعض النسخ المعتبرة : «يعتقد» بالدال مكان «يعتقل» باللّام ، بمعنى يضبط.
(ورَبَّانِيٍّ ۴۴ ): نسبةً إلى الربّ ، بزيادة الألف والنون للمبالغة.
قال برهان الفضلاء:
المراد ب «العالم» الربّانيّ» : من كان بزهده عن الحرام راغبا في ثواب الربّ تعالى ، فلا يحكم بظنّه فيما يجري فيه وفي دليله الاختلاف بلا مكابرة ، سواء كان من العلماء أو من المتعلِّمين.
في بعض النسخ: «وَمَعْرِفَةُ الْعِلْمِ بِالْعَقْلِ».
وقال الفاضل الاسترآبادي رحمه الله:
«نصب الحقّ لطاعة اللّه »، يعني وضع اللّه الدين ، فأوجب بعض الأفعال كالإقرار القلبي واللّساني بالتوحيد وبالرّسالة ، وحرّم بعضها ، و استحبّ بعضها ، وكرّه بعضها ، وخيّر في بعضها ؛ ليتميّز المطيع من العاصي. وشرط في طاعته أن يكون بعد علمٍ ويقينٍ بكونها طاعةً، وقدّر أن لا يحصل اليقين بكونها طاعةً إلّا بِالتَّعَلُّمِ، يعني السماع من الرُّسل والأئمّة عليهم السلام ، وقدّر أن لا يحصل التعلّم إلّا بالنور المسمّى بالعقل. ۴۵
وقال السيّد الأجلّ النائيني رحمه الله:
«نصب الحقّ لطاعة اللّه » ، أي اُقيم الحقّ بإرسال الرسل وإنزال الكتب ؛ ليُطاع اللّه في أوامره ونواهيه ، ولا نجاة إلّا بالطاعة، ولا يتحقّق إلّا بالعلم والمعرفة ، ولا يكفي عقول الناس للإحاطة بالعلوم والمعارف من غير تعلّم ، بل يحصل لهم المعرفة بالتعلّم، والتعلّم باستعمال العقل في تحصيل الاعتقاد، ثمّ التعلّم ينتهي لا محالة بعالم ربّانيّ يكون علمه من جانب اللّه سبحانه ، ومعرفة ذلك العلم والعالم به بالعقل ، فلا نجاة إلّا بعقل يحصل به المعرفة الناشئة عن اللّه إمّا بلا تعلّم ، أو بتعلّم من عالم ربّانيّ يُعرف بالعقل ۴۶ . انتهى.
غرضه من قوله: «ولا يكفي عقول الناس»: أنّ اليقين في المختلف فيه لا يحصل إلّا عن الحجّة المعصوم العاقل عن اللّه ، فإنّ غرضه إقامة البرهان القاطع، قال اللّه تعالى في سورة المؤمنون: «وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللّه ِ إِلَها آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ» . ۴۷
(قَلِيلُ الْعَمَلِ مِنَ الْعَالِمِ مَقْبُولٌ) ؛ لمكان اليقين.
قال برهان الفضلاء: «من العالم» ، أي ممّن لا يحكم بظنّه.
أقول: الأولى ـ أي ممّن لا يحكم بظنّه من عند نفسه، وقد ثبتت الرخصة في زمن الغيبة؛ دفعا للحرج المنفيّ ـ الحكمُ بالظنّ بالمعالجات المعهودة عنهم عليهم السلام للعالم الإمامي الممتاز العدل المحتاط ما أمكن التوقّف المستلزم للحرج.
قال الفاضل الاسترآبادي رحمه الله:
«قليلٌ العمل من العالم»، أي صاحب اليقين بأنّ عمله طاعة اللّه . والمراد بالجاهل، صاحب الجهل المركّب ، وهو من زعم أنّ عمله طاعة اللّه وليس كذلك؛ لأنّه ما أخذه من العالم الربّانيّ الذي أمر اللّه بالأخذ عنه ؛ ولأنّه لم يحصل له جزم بكونه طاعة ؛ لأنّه قدّر اللّه تعالى أن لا يحصل جزم بالطاعات والمعاصي إلّا من جهة السماع عن العالم الربّاني ۴۸ . انتهى.
نعم، ما أشار رحمه اللهبقوله: «لأنّه قدّر اللّه » إلى حصر عدد الحجج المعصومين بتقدير اللّه وحكمته البالغة ؛ ردّا على مدّعي الكشف بالرياضة.
(بِالدُّونِ من الدنيا) أي اليسير على قدر الكفاف من حلالها .
و«ترك الدنيا من الفضل» أي فضول حلالها ؛ مخافة طول الوقوف للحساب. والمباح قد يترك لمصلحة ، كما فعل أمير المؤمنين عليه السلام ۴۹ ، وقد لا يترك أيضا لذلك ، كما فعل الحسن بن عليّ عليهماالسلام ۵۰ .
(فطلب بالمشقّة أبقاها) كأنّه بيان لقوله عليه السلام : (وَلِذلِكَ ۵۱ رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ) ؛ لاختيارهم الباقي على الفاني يقينا. قال أمير المؤمنين عليه السلام : «لو كانت الدنيا من ذهب والآخرة من خزف لاختار العاقل الخزف الباقي على الذهب الفاني» ۵۲ .
كيف والأمر على العكس من ذلك؟!
(أَنَّ الدُّنْيَا طَالِبَةٌ مَطْلُوبَةٌ) يعني أنّ الدنيا طالبة بحلالها المقدّر المتّقين وغيرهم، مطلوبة بحلالها للمتّقين وبمطلقها لغيرهم.
(وَالْاخِرَةَ طَالِبَةٌ) بأجَلِها كلّ أحد، (وَمَطْلُوبَةٌ) لأهل الجنّة. أو المعنى أنّ الآخرة طالبة بخيرها المؤمنين ، ومطلوبة لهم.
قال برهان الفضلاء:
ولعلّ النكتة في ترك الواو في الاُولى وذكرها في الثانية ، أنّ في الاُولى تغاير بين المتعلّقين باعتبار أنّ الدنيا فارغة من طلب الراغبين فيها، فإنّ الرزق وصل إليهم بزيادة فمثل: «خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ»۵۳ في سورة الواقعة، وفي الثانية اتّحادهما مثل ۵۴ : «هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ»۵۵ في سورة البقرة.
وقال السيّد السند أمير حسن القائني رحمه الله:
ترك الواو في «أنّ الدنيا طالبة مطلوبة» إشارة إلى أنّ تعدّد الخبر فيه نظير قولهم: «حُلْوٌ حامض»، وذلك لأنّ الحلو والحامض شيء واحد وهو المزّ، فكذلك الدنيا حين كونها طالبة مطلوبة، فكأنّ الطالبيّة والمطلوبيّة للدُّنيا شيء واحد ؛ لأنّ حين كون الدنيا طالبة لمن طلب الآخرة مطلوبة من جهة استيفاء الرزق منها، بخلاف الآخرة؛ فإنّها حين كونها طالبة لمن طلب الدنيا ليست بمطلوبة؛ لأنّ الآخرة إذا طلب طالب الدنيا يأتيه الموت فيفسد عليه دنياه ودينه ، كما هو معلوم من صريح عبارة الحديث.
وقال السيّد الأجلّ النائيني رحمه الله:
لايبعد أن يقال : الإتيان بالعاطف في الآخرة بقوله: «الآخرة طالبة ومطلوبة» وتركه في قوله : «الدنيا طالبة مطلوبة» ؛ للتنبيه على أنّ الدنيا طالبة موصوفة بالمطلوبيّة ، فيكون الطالبيّة ـ لكونها موصوفة ـ بمنزلة الذات ، فدلّ على أنّ الدنيا من حقّها في ذاتها أن تكون طالبة ، وتكون المطلوبيّة ۵۶ ـ لكونها صفة لاحقة بالطالبيّة ۵۷
ـ من الطوارئ التي ليس من حقّ الدنيا في ذاتها أن تكون موصوفة بها، فلو أتى بالعاطف لفاتت تلك الدلالة، وأمّا الآخرة فلمّا كان الأمران ـ أي الطالبيّة والمطلوبيّة كلاهما ـ ممّا تستحقّها وتتّصف بها في ذاتها فأتى بالعاطف .
وإن حمل قوله : «الدنيا طالبة مطلوبة» على تعدّد الخبر؛ ففي ترك العاطف دلالة على عدم ارتباط طالبيّتها بمطلوبيّتها، وأمّا في الآخرة فالأمران فيها مرتبطان لا يفارق أحدهما الآخر ؛ ولذا أتى بالواو الدالّة على التقارن في أصل الثبوت لها ۵۸ . انتهى.
في بعض النسخ بترك العاطف في الثانية أيضا .
و(الغنى) بالكسر والقصر : ضدّ الفقر ، وإذا فتح مدّ. وأمّا الغناء ۵۹ بالكسر والمدّ فمن الصوت .
(فليتضرّع إلى اللّه في مسألته) ، تنبيه بالتحضيض على عظم نعمة العقل.
قال الفاضل الاسترآبادي:
«فليتضرّع إلى اللّه » صريح في أنّ المراد هنا من العقل الغريزة النورانيّة التي يخلقها اللّه في القلب ويترتّب عليها الأفعال الحسنة. انتهى.
وكان ۶۰ غرضه الردّ على الفلاسفة .
(إنّ اللّه حكى عنه عن قوم صالحين) ، فسّروا بسلمان وأبي ذرّ والمقداد وأشباههم من اُولي الألباب، والآية في سورة آل عمران.
و«الزيغ»: الميل والعدول عن الطريق.
و«الرّدى» بالقصر : الهلاك.
قال الفاضل الاسترآبادي:
و«تعود إلى عماها» وذلك بأن لم يحفظه ۶۱ اللّه تعالى ما خلق فيها من الغريزة النورانيّة المسمّاة بالعقل. ۶۲
قال برهان الفضلاء:
يحتمل أن يكون ۶۳ العلم حاصلاً لقوم صالحين في حياة الرسول بتبليغه صلى الله عليه و آله ف «تزيغ» و«تعود» للاستقبال، وعلى هذا يحتمل «عُلِّموا» على المجهول من التفعيل . والمخالفون معترفون بهذا المضمون ويتغافلون. وقد روى البخاري بإسناده في صحيحه عن الرسول صلى الله عليه و آله في باب سورة المائدة أنّه قال بعد ذكر طائفة من أحوال القيامة: «ألّا أنّه يُجاء برجال من اُمّتي فيُؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول : ياربّ اُصيحابي، فيُقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: «وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ»۶۴ فيقال: إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم». ۶۵ انتهى.
المراد ب «العبد الصالح» هنا : عيسى بن مريم عليهما السلام .
(إنّه لم يخف اللّه من لم يعقل عن اللّه ) ؛ لعدم أخذه دينه على يقين ، ولا يحصل في المختلف فيه إلّا عن العاقل عن اللّه والعلم معه ؛ ولذا «إِنَّما يَخْشى اللّهَ مِنْ عِـبادِهِ العُلَماءُ»۶۶ كما يفسّره الفقرة التالية .
«عقد عليه» كضرب.
قال برهان الفضلاء:
«المعرفة الثابتة» هنا : عبارة عن معرفة المحكمات التي أمر فيها بسؤال أهل الذِّكر، ونهى عن الحكم بالظنّ والرأي والاجتهاد. فهذا الكلام من قبيل ۶۷ قول اللّه تعالى في سورة النمل: «وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ»۶۸ ، وفي سورة آل عمران: «وَمَااخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيا بَيْنَهُمْ»۶۹ .
وقال الفاضل الاسترآبادي رحمه الله:
«لم يخف اللّه من لم يعقل عن اللّه »؛ معناه أنّ من لم يأخذ دينه عن اللّه ، يعني [عن ۷۰ ]رسله والأئمّة عليهم السلام لم يخف اللّه حقّ خوفه . ومن أخذ دينه عن رسل اللّه والأئمّة عليهم السلام يخاف اللّه حقّ خوفه ؛ لأنّه يعلم أنّ معرفته مبنيّة على العقل الذي تفضّل ۷۱ اللّه [به ۷۲ ]عليه ، ويعلم أنّه بعض الكبائر يتسبّب بتركه تعالى حفظ ذلك العقل، وكذلك من لم يأخذ دينه عن الحجج ـ صلوات اللّه عليهم ـ قدّر اللّه أن لا يحصل له يقين بذلك ۷۳ .
وقال السيّد الأجلّ النائيني رحمه الله:
«إنّه لم يخف اللّه من لم يعقل عن اللّه »، لعلّ المراد أنّه من لم يكن صالحا لم يخف اللّه ؛ لأنّه من لم يكن صالحا لم يكن قوله مصدّقا لفعله ، وسرّه موافقا لعلانيته، ومن لم يكن كذلك لم يكن ذا معرفة ثابتة يجد حقيقتها في قلبه؛ لأنّ اللّه تبارك وتعالى جعل الظاهر دليلاً على الباطن، فالفعل ظاهر يدلّ على الاعتقاد الذي هو من الخفايا والسرائر ويكشف عنه، والقول ظاهر يعبّر عنه، فإن دلّ العقل على عدم تقرّر الاعتقاد وثبوته ولم يصدّقه القول، فالمعتبر دلالة الفعل، وأمّا دلالة الفعل على التقرّر والثبوت لحقيقة المعرفة مع مخالفة القول فغير متصوّر، فإنّ القول إذن فعل دالّ على عدم ثبوت حقيقة المعرفة وتقرّرها في قلبه، ومن لم يكن يجد حقيقة المعرفة في قلبه لم يكن ذا معرفة ناشئة عن جانب اللّه ، ومن لم يكن عاقلاً عن اللّه لم يخف اللّه ۷۴ . انتهى.
«من لم يكن صالحا»، أي كما اُمر.
قال برهان الفضلاء:
«لأنّ اللّه تبارك اسمه» . استدلال على «ولا يكون أحد كذلك»، والمراد أنّه لا يجوز لغير المتوسّمين ۷۵ الحكم بالظنّ في نفس حكم اللّه ؛ لأنّ العلم بنفس حكم اللّه خارج عن وسع غير المتوسّمين ، لكن يجوز لغير المتوسّمين الحكم بالظنّ في ما هو محلّ حكم اللّه ، كتعيين القبلة وقِيَم المُتْلَفات. انتهى.
نعم، لو لم يلزم الحرج المنفيّ في زمن الغيبة ، ولا يدفع على لزومه إلّا بتخصيص الرخصة الثابتة على ما عرفت آنفا .
(ما عُبدَ اللّه بشيء أفضل من العقل) وخواصّه، وقد قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : «يا عليّ، إذا تقرّب الناس إلى خالقهم بأنواع البرّ فتقرّب أنت إليه بالعقل». ۷۶
قال برهان الفضلاء: سيوضّح هذا في شرح الأوّل في الباب الرابع والعشرين باب البداء في كتاب التوحيد إن شاء اللّه تعالى.
وقال السيّد الأجلّ النائيني:
«ما عُبد اللّه بشيءٍ أفضل من العقل»؛ فإنّ حقيقة العبادة التذلّل والخضوع ، وإنّما الكاملة البالغة نهايتها بالمعرفة ۷۷ . انتهى.
أي بالمعرفة التي فصّلت في هذه الهديّة مرارا.
(وما تمّ عقل امرى ءٍ). إمّا من كلام أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه ، أو أبي الحسن موسى عليه السلام .
(لَا يَشْبَعُ مِنَ الْعِلْمِ دَهْرَهُ) ولا نهاية للعلم . وفيه إشارة إلى أنّ غذاء الروح وما ينمو به إنّما هو العلم.
(الذُّلُّ أَحَبُّ إِلَيْهِ مَعَ اللّه ِ مِنَ الْعِزِّ مَعَ غَيْرِهِ) ؛ لعلمه بأنّ العزّة للّه جميعا. ۷۸
(وَالتَّوَاضُعُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الشَّرَفِ) ؛ لأنّه أنسب للعبوديّة. فالمراد بالشرف ، ما هو لازمه غالبا من العجب والتكبّر ونحوهما. واحتمال أن يكون المعنى : والتواضع مع اللّه أحبّ إليه من الشرف مع غيره كما ترى، والشريف المتواضع أشرف من المتكبّر.
(قَلِيلَ ۷۹ الْمَعْرُوفِ) أي الإحسان من غيره. وقليل الحقّ عظيم.
(وَيَسْتَقِلُّ كَثِيرَ الْمَعْرُوفِ مِنْ نَفْسِهِ) ، ومطلق وضع المنّة محظور.
قال برهان الفضلاء سلّمه اللّه تعالى:
المراد بالكفر والشرّ كفران النعمة والإضرار بالخلق، وبالرشد والخير شكر النعمة والإحسان إلى الخلق.
«لَا يَشْبَعُ مِنَ الْعِلْمِ دَهْرَهُ» تحريص على الحرص في طلب العلم الذي لابدَّ منه في الدِّين، فلا ينافي ما يجيء في أوّل باب المستأكل بعلمه المباهي به ، من أنّه لا يحسن الحرص في طلب العلم، فإنّ المراد هناك العلم الذي لا يحتاج إليه في الدِّين وطلبه مانع من طلب ما لابدّ من تحصيله.
«وَالتَّوَاضُعُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الشَّرَفِ» ، أي إظهار الاستكانة أحبّ إليه من إظهار المجد والشرافة. انتهى.
فلأن يستأكل الضعفاء ، أي يأخذ أموالهم.
(وَيَرَى النَّاسَ كُلَّهُمْ خَيْرا مِنْهُ ، وَأَنَّهُ شَرُّهُمْ فِي نَفْسِهِ) . لعلّ المعنى: ويرى جميع معاصريه الذين لا قطع له شرعا بكفرهم الذي لا نجاة يمكن النجاة بعده (خيرا منه) ؛ لإمكان صدور أمر من الاُمور الباعثة للنجاة عنهم، ولا علم له بعاقبة أمر نفسه .
(وأنّه شرّهم في نفسه)؛ لاطّلاعه على دقائق عيوب نفسه دون خفيّات عيوب غيره، فبذلك لا يغفل غالبا عن عيوبه ، فيسعى في تزكية نفسه عنها.
(وَهُوَ تَمَامُ الْأَمْرِ) إن شاء اللّه تعالى.
قال برهان الفضلاء سلّمه اللّه :
يعني ويكون سلوكه مع الناس بحيث يكون ظنّه أنّ كلّهم خيرٌ منه ، وأنّه شرّهم في باطن أمره؛ إذ لا علم لأحد بعاقبة أحد سوى اللّه عزّ وجلّ ، فربّما كافر يؤمن بالتوفيق وبالعكس بالخذلان ، كما مرّ في بيان قوله: «يا هشام، إنّ اللّه حكى» إلى آخره.
«وَهُوَ تَمَامُ الْأَمْرِ» يعني وهذه الصفة عمدة الصفات الحسنة، أو المعنى أنّها آخرها.
وقال الفاضل صدر الدِّين محمّد الشيرازي:
«يرى الناس كلّهم خيرا منه» ؛ لحسن ظنّه بعباد اللّه وحمله ما صدر منهم على محمل صحيح بسلامة صدوره، ولِما رأى من محاسن ظواهرهم دون ما خفي من بواطنهم. ۸۰
وقال السيّد الأجلّ النائيني رحمه الله:
«ويرى الناس كلّهم خيرا منه» ، وذلك بأن يقال : يحسن ظنّه بهم ويتّهم نفسه، فكلّ ما في غيره ـ ممّا يحتمل وجها حسنا ـ يحمله عليه ، وكلّ ما فيه ـ ممّا يحتمل وجها قبيحا ـ يجوّزه في نفسه ، فيظنّ بغيره خيرا ، ولا يظنّ بنفسه خيرا، فيظنّ بكلّ منهم أنّه خيرٌ منه ، ويكون هو عند نفسه شرّا منهم ۸۱ . انتهى.
أقول: خطر ببالي ثانيا أنّ هاتين الفقرتين بيان لحقيقة الاعتراف بالتقصير كنايةً ؛ فإنّ حقيقته أن يعترف العبد بتقصيرٍ لا يمكن أن يكون فوقه تقصير ، وبِذُلٍّ لا يتصوّر بعده ذُلٌّ، وجميع العالم كأنّه عبدٌ ذليل واحد ، فيستقيم اختصاص كلّ أحد بهذا الاتّصاف، فإنّ اللّه تبارك وتعالى متفرّد بعزّ الخالقيّة ، وجميع ما سواه بذلّ المخلوقيّة، وهو تمام الإقرار بالعبوديّة ، والإيمان باللّه ، واليوم الآخر.
(إِنَّ الْعَاقِلَ لَا يَكْذِبُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ هَوَاهُ) ؛ لأنّ علوّ الهمّة الذي لازم للعقل لا يرضى بخسّة الكذب إلّا تقيّةً.
وقال السيّد الأجلّ النائيني: حذرا من فضيحته عند الظهور. ۸۲
وقيل: لأنّ الكذب من جنود الجهل.
(لَا دِينَ لِمَنْ لا مُرُوءَةَ لَهُ) يقرأ بالتشديد و«المروءة» على وزن العطوفة . وللتلازم وجوه شتّى ، منها الثبات في المجاهدة الباطنيّة والظاهريّة . و«المروّة»: خصال كريمة ، وأخلاق حسنة.
قال برهان الفضلاء: يعني ثواب الآخرة لمن لا إنسانيّة له ، ولا إنسانيّة لمن لا عقل له.
وقال السيّد الأجلّ النائيني رحمه الله:
«وَلَا مُرُوءَةَ لِمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ»، فإنّ من لا عقل له لا يكون عارفا بما يليق به [ويحسن ، وما لايليق به ۸۳ ] ولا يحسن ، فقد يترك اللّايق ويجيء بما لا يليق، ومن يكون كذلك لا يكون ذا دين ۸۴ . انتهى.
أي لا يكون عارفا عن العارف عن اللّه سبحانه بكذا وكذا.
(لَا يَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِهِ خَطَرا) أي لا يفتخر بالدنيا وشأنه من مجدها وشرفها.
وقال برهان الفضلاء: «خطرا» ، أي سَبَقا ، بمعنى أنّه لا يراها أنّ سعيه فيها لها.
و«السبق» بالتحريك : الخطر الذي يوضع بين أهل السّباق، والسُبقة بالضمّ بمعناه.
وقال السيّد الأجلّ النائيني:
وذلك لأنّه لا يخطر ۸۵ إلّا بمعرفة كاملة بأحواله وأحوالها ، وتلك المعرفة لا تكون إلّا مع كمال العقل ، ومن كمل عقله كان من أعظم الناس قدرا ۸۶ . انتهى.
خطر فلان فلانا جعله ذا خَطَرٍ ومنزلة. ۸۷
(أَلا إِنَّ أَبْدَانَكُمْ) أي الممتازة في صنائعه تعالى عن أبدان سائر الحيوانات.
في بعض النسخ : «أما» مكان «ألا» .
أو تعبير عن الطاعة بالبدن ؛ لأنّه خُلِق للطاعة وتحصيل الثواب ، فبمنزلة البضاعة للتاجر. أو المعنى أنّ ثمن الأبدان الجنّة بالخلود فيها وثمن الأرواح لذّاتها بشكره تعالى بعد القطع بالنجاة من الخلود في النار. وآخر دعواهم فيها أن الحمد للّه ربّ العالمين.
وقال السيّد الأجلّ النائيني رحمه الله:
عبّر عن استعمال الأبدان في الاكتسابات ببيعها بالمكتسبات، فالمكتسب ثمن لها فقال عليه السلام : «لَيْسَ لَهَا ثَمَنٌ» ، أي ما يليق بأن يكون ثمنا. «إِلَا الْجَنَّةُ ، فَلَا تَبِيعُوهَا بِغَيْرِهَا» من الدنيا ومهويّات الأنفس ۸۸ . انتهى.
«هواه» : أحبّه.
(إِنَّ مِنْ عَلَامَةِ الْعَاقِلِ) أي الإمام العاقل عن اللّه :
(يُجِيبُ إِذَا سُئِلَ) أي يكون عالما بجميع ما يحتاج إليه الناس ولا يكون عاجزا عن جواب كلّ ما يسئل عنه حتّى معمّيات السنن وملبّسات الفتن.
(فَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ هذِهِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ شَيْءٌ ؛ فَهُوَ أَحْمَقُ) تعريض وتوبيخ لفلان وفلان وفلان وسائر طواغيت المبتدعين في الدِّين ، فضلاً عن تبعتهم الضالّين لعنهم اللّه .
قال برهان الفضلاء سلّمه اللّه تعالى:
«من» في أوّل الكلام للتبعيض، فبناءً على أنّه كما أنّ المجموع علامةٌ بعضها أيضا علامة، ونصّ النبيّ صلى الله عليه و آله بوصيّه أيضا علامة. والمراد هنا اللّازم الخاصّ بقرينة الفاء التفريعيّة في «فمن». والمراد ب «العاقل» هنا المحقّ من مدّعي الإمامة بعد رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فعبارة عن نفسه عليه السلام ، والخصال الثلاث متلازمة، فالكلام بيان لثلاثة براهين على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام .
«يجيب»، رفع واستئناف بياني لسابقه ، أو بتقدير «أن يجيب» وبدل تفصيل للثلاث، فيحتمل الرفع والنصب.
(وَيَنْطِقُ إِذَا عَجَزَ الْقَوْمُ) إشاره إلى أمثال ما يجيء في كتاب الحجّة في الرابع والسابع من باب الرابع والعشرين والمائة من سؤال حبر من اليهود عن الثاني ، وعجزه وإرساله إيّاه إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، ويشير إشارة إلى تدبيراته عليه السلام في القضايا ، وهي مشهورة بين المؤالف والمخالف.
وقال السيّد الأجلّ النائيني:
«يجيب إذا سُئل» أي يكون قادرا على الجواب عمّا يُسئل ، والنطق عند عجز القوم عن الكلام، وَمُشِيرا بِالرَّأْيِ الَّذِي فيه صلاح القوم ، وعارفا بصلاحهم ، وآمرا به، فمن لم يكن فيه شيء من هذه الثلاث فهو أحمق، أي عديم الفهم ناقص التمييز بين الحسن والقبيح.
ولعلّ «يجيب» ناظر إلى الفتاوى في النقليّات والشرعيّات .
و«ينطق» إلى تحقيق المعارف والعقليّات .
و«يشير» إلى معرفة التدابير والسياسات في العمليّات ، فمن جمع فيه الخصال الثلاث دلَّ على كمال عقله النظري والعملي، ومن لم يكن فيه شيء منها فهو ناقص العقل بقوّتيه ۸۹ . انتهى.
أي الحكمة النظريّة والعمليّة.
(لَا يَجْلِسُ فِي صَدْرِ الْمَجْلِسِ) أي مسند الإمامة.
قال برهان الفضلاء:
غرضه عليه السلام من هذا الكلام بيان أنّ غرض أمير المؤمنين عليه السلام من العاقل في كلام السابق إنّما هو الإمام الحقّ ؛ دفعا لتوهّم العاقل بالمعنى الأعمّ.
وقال السيّد النائيني رحمه الله:
«لا يجلس في صدر المجلس إلّا رجل» كذا؛ لأنّ صدر المجلس مكان مَن يراجع الناس إليه لحوائجهم ، فيستحقّ أن يعظّموه ويوقّروه. واُصول الحاجات هذه الثلاثة؛ فمن لم يكن فيه شيء منها يوضع ۹۰ نفسه هذا الموضع فهو أحمق فاعل فعل الحمقى ۹۱ . انتهى.
القاموس : هو أحمق : قليل العقل ، وقوم ونسوة حُماق وحُمُق بضمّتين ، وكسكرى وسكارى ، ويضمّ ۹۲ .
(إذا طلبتم الحوائج) أي دينيّتها ودنياويّتها . (الّذين قصَّ اللّه في كتابه) في سورتين : سورة الرعد ، وسورة الزمر. ۹۳
قال برهان الفضلاء: يعني حوائجكم من تعلّم العلم ونحوه.
وقال السيّد الأجلّ النائيني:
«الحوائج» أي اُصولها التي هي الدينيّة وفروعها التي هي الدنياويّة، واختصاص طلب الحوائج الدينيّة باُولي العقول ظاهر. وأمّا الحوائج الدنيويّة ؛ فللذلّ الذي في رفع الحاجة إلى الناقص في الدِّين ، ولعدم الأمن من حُمقه ، فربّما يمنعه أو يأتي بما ضرّه أكثر من نفعه. ۹۴
وقال السيّد السند أمير حسن القائني رحمه الله: يعني حوائجكم لصلاح دينكم ودنياكم.
(مُجَالَسَةُ الصَّالِحِينَ) تصريح بتخصيص الاعتزال الشرعيّ بالانقطاع عن الجهّال، ولا خير فيهم وإن كانوا فضلاء؛ يعني مهراء في الشيطنة والنَكراء .
(وآداب العلماء) أي التأدّب بآدابهم ، أو رعاية الآداب في طاعتهم المفترضة بالنصّ .
(تمام العزّ) أي الغلبة على أعداء الدِّين ، وأشدّهم الشياطين.
(وَاسْتِثْمَارُ الْمَالِ) أي استزادته بالإنفاق الممدوح أو بالكسب الحلال. وفي الحديث: «نِعْمَ العون على الآخرة الدنيا» ۹۵ .
قال برهان الفضلاء: «وآداب العلماء» أي ملاحظة سلوكهم في الناس . «واستثمار المال» أي التمتّع من البضاعة بالتجارة ونحوها للإنفاق ۹۶ .
وقال الفاضل الاسترآبادي بخطّه: «استثمار المال» أي استنماؤه ، وكأنّه كناية عن إخراج الصدقة. ۹۷
وقال السيّد الأجلّ النائيني: «واستثمار المال تَمَامُ الْمُرُوءَةِ» وذلك لأنّه يتمكّن به من أن يأتي بما يليق به من الإنسانيّة. ۹۸
لا يخفى لطف كلامه رحمه الله.
(قَضَاءٌ لِحَقِّ النِّعْمَةِ) أي نعمة العقل.
قال برهان الفضلاء سلّمه اللّه : يعني نعمة الفهم ، أو نعمة المستشير ، وهي عدّة المستشار قابلاً لذلك.
وقال السيّد الأجلّ النائيني رحمه الله في «إرشاد المستشير» شكر لنعمة العقل . ومعرفة الرشاد والشكر من الحقوق اللازمة. ۹۹
في بعض النسخ ـ كما ضبط برهان الفضلاء ـ : «وفيه راحة للبدن» باللام مكان الألف واللام .
قيل : أمّا عاجلاً فلأنّ مكافاة الايداء بجارحة من الأعضاء كاليد قد يصل إليها في الدنيا قبل البرزخ والعقبي. وأمّا آجلاً ؛ فللخلاص من العذاب.
وقال برهان الفضلاء: أمّا في الدنيا ؛ فلقلّة أعدائه. وأمّا في الآخرة ؛ فللخلاص من العذاب.
و«التعنيف» : التقريع والتوبيخ.
(وَلَا يتقدّمُ عَلى مَا يَخَافُ فَوْتَهُ) أي لا يسعى في طلب الفاني. وفي بعض النسخ ـ كما ضبط برهان الفضلاء ـ : «ولا يقدِم» من الإقدام، قال: يعني ولا يتوجّه.
وقال السيّد السند أمير حسن القائيني رحمه الله:
يعني لا يفعل فعلاً قبل أوانه بادرا إليه خوفا من أن يفوته في وقته بسبب عجزه عنه، بل يفوّض أمره إلى اللّه تبارك وتعالى.
ولهذا الحديث ذيل في غير الكافي يُذكر في الخاتمة إن شاء اللّه تعالى.

1.أضفناه من المصدر.

2.في المصدر : «والظاهر عندي ما ذكرناه أوّلاً» بدل «وهو الظاهر».

3.الحاشية على اُصول الكافي، ص ۸۶ .

4.الزمر (۳۹): ۱۷.

5.الحديد (۵۷): ۹.

6.آل عمران (۳): ۷.

7.الزمر (۳۹): ۲۳.

8.الزمر (۳۹): ۵۵.

9.في «الف»: ممّا.

10.راجع: المائدة (۵): ۶ ؛ الحجّ (۲۲): ۷۸.

11.في «الف»: «المناظر».

12.في المصدر : «الحقيّة».

13.في المصدر : «علي الاُمّة».

14.في المصدر : «الحقيّة».

15.الحاشية على اُصول الكافي، ص ۸۶ ـ ۸۷ .

16.الروم (۳۰): ۳۰.

17.الأمالي للطوسي ، ص ۲۷۳ ، ح ۵۱۸ ؛ وعنه في بحارالأنوار ، ج ۲۲ ، ص ۲۸۶ ، ح ۵۴ .

18.تفسير الثعالبي ، ج ۱ ، ص ۵۱۵ . وفيه : «والمعنى أنّها إذ كانت فانية لاطائل لها أشبهت اللعب واللهو الذي لاطائل له إذا تقضّى» .

19.الأنبياء (۲۱) : ۱۶ ـ ۱۸ .

20.الأنعام (۶) : ۲۵ ؛ محمّد (۴۷) : ۱۶ .

21.في «الف»: «تربعة».

22.كذا في المخطوطة ، وفي المصدر : «الطرق» .

23.الحاشية على اُصول الكافي ، ص ۸۷ .

24.المؤمنون (۲۳) : ۵۶ .

25.يونس (۱۰) : ۶۰ ؛ النمل (۲۷) : ۷۳ .

26.التوبة (۹) : ۴۰ .

27.الحاشية على اُصول الكافي ، ص ۵۲ .

28.القاموس المحيط ، ج ۳ ، ص ۹۵ (وضع) .

29.الوافي ، ج ۱ ، ص ۹۷ .

30.الكافي ، ج ۲ ، ص ۱۲۲ ، باب التواضع ، ضمن الحديث ۳ .

31.الحاشية على اُصول الكافي ، ص ۵۲.

32.الوافي ، ج ۱ ، ص ۹۷ ، نقلاً عن استاذه .

33.الحاشية على اُصول الكافي ، ص ۵۲.

34.في «الف»: «والعقل» بدل «أي العقل».

35.الحاشية على اُصول الكافي ، ص ۵۲.

36.الحاشية على اُصول الكافي ، ص ۵۳.

37.الحاشية على اُصول الكافي ، ص ۵۳.

38.في «ب» و «ج»: «الدرجة».

39.أضفناه من المصدر.

40.الحاشية على اُصول الكافي ، ص ۸۷ .

41.النور (۲۴) : ۳۷ .

42.دعائم الإسلام ، ج ۲ ، ص ۱۹۳ ، ح ۷۰۱ ؛ النهاية لابن الأثير، ج ۲ ، ص ۶۶۹ (رهب) .

43.في «الف»: «مبتدأ».

44.في «ج»: «الديّانيّ».

45.الحاشية على اُصول الكافي ، ص ۸۷ .

46.الحاشية على اُصول الكافي ، ص ۵۳ ـ ۵۴.

47.المؤمنون (۲۳) : ۱۱۷ .

48.الحاشية على اُصول الكافي، ص ۸۷ ـ ۸۸ .

49.راجع: نهج البلاغة ، ص ۴۱۶ ، الرسالة ۴۵ .

50.راجع: الوسائل ، ج ۵ ، ص ۲۱ ، الباب ۸ من أبواب احكام الملابس ، ح ۲ .

51.كذا في «ب» و «ج» ، وفي الكافي المطبوع : «فلذلك» .

52.شرح المازندراني ، ج ۱ ، ص ۱۶۷ ؛ الوافي ، ج ۱ ، ص ۱۰۰ .

53.الواقعة (۵۶): ۳.

54.في «ج»: فمثل.

55.البقرة (۲): ۱۸۵.

56.في المصدر : «المطبوبة» .

57.في المصدر : «الطالبة» .

58.الحاشية على اُصول الكافي، ص ۵۴ ـ ۵۵ .

59.في «الف»: - «الغناء».

60.في «ب» و «ج»: «كأنّ» بدل «وكان».

61.في المصدر : «لم يحفظ» .

62.الحاشية على اُصول الكافي، ص ۸۸ .

63.في «ب» و «ج»: + «هذا».

64.المائدة (۵): ۱۱۷.

65.صحيح البخاري ، ج ۴ ، ص ۱۶۹۱ ، ح ۴۳۴۹ .

66.فاطر (۳۵) : ۲۸ .

67.في «الف»: - «قبيل».

68.النمل (۲۷) : ۱۴ .

69.آل عمران (۳) : ۱۹ .

70.أضفناه من المصدر .

71.في «ب» و «ج»: يفضّل.

72.أضفناه من المصدر .

73.الحاشية على اُصول الكافي، ص ۸۸ .

74.الحاشية على اُصول الكافي، ص ۵۵ ـ ۵۶.

75.في «ب» و «ج»: + «بالعقل عن اللّه ».

76.مشكاة الأنوار ، ص ۲۵۱ ؛ كنزالعمّال ، ج ۳ ، ص ۳۸۴ ، ح ۷۰۶۱.

77.الحاشية على اُصول الكافي، ص ۵۶ .

78.اقتباس من الآية ۳۹ ، النساء (۴)؛ والآية ۶۵ ، يونس (۱۰) .

79.في «ب» و «ج»: «يستكثر قليل».

80.شرح الاُصول الكافي، ص ۶۳ .

81.الحاشية على اُصول الكافي، ص ۵۶ .

82.الحاشية على اُصول الكافي، ص ۵۷ .

83.ما بين المعقوفتين أضفناه من المصدر .

84.الحاشية على اُصول الكافي، ص ۵۷ .

85.في المصدر : «لايحصل» مكان «لايخطر» .

86.الحاشية على اُصول الكافي، ص ۵۷ .

87.في «ب» و «ج»: «قدر».

88.الحاشية على اُصول الكافي، ص ۵۷ .

89.الحاشية على اُصول الكافي، ص ۵۷ ـ ۵۸ . حكاه ملخّصا .

90.في المصدر : «فوضع» مكان «يوضع» .

91.الحاشية على اُصول الكافي، ص ۵۸ .

92.القاموس المحيط ، ج ۳ ، ص ۲۲۳ (حمق) .

93.الرعد (۱۳) : ۱۹ ؛ الزمر (۳۹) : ۹ .

94.الحاشية على اُصول الكافي، ص ۵۸ .

95.الكافي ، ج ۵ ، ص ۷۲ ، باب معنى الزهد ، ح ۹ ؛ وسائل الشيعة ، ج ۱۷ ، ص ۲۹ ، باب استحباب الاستعانة بالدنيا على الآخرة ، ح ۲ .

96.في «الف»: «للإنفاد».

97.الحاشية على اُصول الكافي، ص ۸۸ .

98.الحاشية على اُصول الكافي، ص ۵۹.

99.الحاشية على اُصول الكافي، ص ۵۹.

  • نام منبع :
    الهدايا لشيعة ائمة الهدي ج1
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : الدرایتی، محمد حسین ؛ القیصریه ها، غلام حسین
    تعداد جلد :
    2
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 139232
صفحه از 644
پرینت  ارسال به