135
الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1

المفتونين بالدنيا ، وسيجيء في الحديث القدسي : «إذا رأيتم العالِم مفتونا بالدُّنيا، فَاتَّهِموه على دينكم ؛ فإنّ كلَّ محبّ لشيءٍ يَحوطُ ما أحَبَّ ، ألا وإنّ هؤلاء قُطّاع طريق عبادي المريدين ، وإنّ أدنى ما أنا صانعٌ بهم أن أنْزِعَ حلاوةَ مناجاتي من قلوبهم» . ۱
وذلك الاُستاذ هو المعبَّر عنه بين أهل الحقّ ب «شيخ» و«پير» . وقد قلت في المثنوي المسمّى ب «نان و پنير» (نظم) :

عقل چون از علم ، كامل مى شودوز تعلّم ، علم ، حاصل مى شود
در تعلّم نيست از دانا گزيرآنكه خوانند اوستاد و شيخ وپير
پس مرا يارب بدانائى رسانتا ز شرّ جهل باشم در امان
وكنت قد اُعطيتُ شرفَ لقاء من كان بهذه الصفات ، ودَرَستُ اُصول الكافي وقدرا من التهذيب على حضرته ، وكان متوجِّها إليَّ كلّ التوجّه ، ولكن لم أعرف قدر هذه النِّعمة حقّ المعرفة ؛ إذ لم اُفوّض إليه أمري كلّ التفويض ليبلغ بي إلى ذروة العرفان ، حتّى أرتحل إلى دار الجنان ، وتركني يتيما منقطعا عن الأب الشفيق ؛ إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ؛ وهو العالم العارف ، الزاهد العابد ، مُحيي آثار أهل البيت عليهم السلام التقيّ المتّقي ، مولانا محمّد تقيّ المجلسي ، قدّس اللّه روحه ونوّر ضريحه .
فإن قلت : إنّك وصفت الصوفيّة بما وصفت ، وأنت أوردت في هذا الكتاب أشعارا من السنائي والعطّار والمشهور بمولانا الرومي وهم صوفيّة أهل السنّة ؟!
قلت : ما أوردت منهم كلُّها حِكمٌ ومعارفُ، وما يتضمّن محبّة اللّه والشوق إلى لقائه والرِّضا والتسليم والتقديس والتحميد على وجه يطابق مخزونات أحاديث المعصومين عليهم السلام طباقا يحصل الظنّ القويّ بأنّهم صرفوا مُدَدَ أعمارهم في التدبّر فيها ، وكذا معارفُ غامضة لم تكن موافقة لعقائد أهل السنّة ، لا أشعريّهم ولا معتزليّهم ، مثل نفي الجبر والتفويض وإثبات الأمر بين الأمرين ، قال في المثنوي (نظم) :

شبهه جبر از قدر رسواترستزانكه جبرى حسّ خودرا منكرست

1.الكافي ، ج ۱ ، ص ۴۶ ، باب المستأكل بعلمه والمباهي به ، ح ۴ ، مع اختلاف يسير في اللفظ.


الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
134

المجسّمة والمشبّهة الذين تظافرت الأخبار بكفرهم ، وليس غرضي في الاضطرار بنفي التجسيم عنه إلّا الشفقة على ضعفاء الناظرين في هذا الحديث ، فإنّهم عسى أن يقعوا في القول بأنّ غاية ما يتخوّف على المرء بسبب العقائد الفاسدة قلّة الأجر ، لا عدم النجاة ، إذا اهتمّ بالعبادة والأوراد ، واكتفى من الدنيا بأكل الجشب من الطعام ، ولبس الخشن من اللباس كصوفيّة أهل السنّة ، بل الخوارج إذا لم يكن غرضهم المُراءاة والتراؤس ؛ إذ ليس لهم بأس على هذا التقدير إلّا فساد عقيدتهم في الخلافة الناشئ من قلّة البحث والتفتيش ، وليس هذا الفساد بأعظم من فساد التجسيم .
أقول : ويمكن أن يقع بعضهم في القول بأجر أهل الرياضة من النصارى واليهود ، بل أهل الرياضة من الهنود ؛ فإنّه إذا رأى العابد في بادئ النظر مجسّما وقد اُجر ، فلا يستبعد أن يؤجر اُولئك أيضا ، وقد عرفت أنّ الأجر بالأعمال ملزوم النجاة ، ولأجل هذه المفاسد شمّرتُ ذيل العناية لنفي كون العابد من المجسّمة ، وإثبات أنّ ضعف عقله ضعفٌ لا يُسلم منه إلّا بطول الرياضات العلميّة ، وهذا الحديث موضع عبرة للعامّي من صوفيّتنا الذي آثر الخلوة على مجالسة العلماء الربّانيّين ، والصمتَ والجوع والسهر ودوام الذكر على تتبّع أحاديث الأئمّة الهادين عليهم السلام المشتملة على الحقائق والمعارف ، بزعم أنّ تلك الخصال أقرب المسالك وأبعد عن المهالك للوصول إلى درجة اليقين والعرفان ، وفي أشعارهم :

صمت و جوع و سهر و عزلت و ذكر بدوامناتمامان جهان را بكند كار تمام
ولعمري أنّهم أخطأوا في ذلك بعضَ الخطأ ؛ فإنّ تلك الخصال إنّما ترتقي بالمرء إلى ذروة الكمال إذا كان في حصن تربية اُستادٍ كاملٍ نظَر في أحاديث المعصومين عليهم السلام الذين هم قادة السالكين ، وسادة العارفين ، وعقل تلك الأحاديث عقلَ رعايةٍ لا عقلَ رواية ؛ فإنّ رواة الحديث كثير ورعاته قليل ، وعَرَفَ أحكام الشريعة المقدّسة : اُصولها، وفروعها ، ثمّ عمل بما علم، فعلّمه اللّه بذلك علم ما لم يعلم ، وأطلعه على غوامض الأسرار والحِكم التي ارتفعت عن أن يبلغها عقول العلماء

  • نام منبع :
    الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : الدرایتی، محمد حسین
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 166910
صفحه از 637
پرینت  ارسال به