149
الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1

شَريد نادٍّ ۱ ، وخائف مقموع، وساكتٍ مَكْعومٍ، ۲ وداعٍ مُخْلِصٍ ، وثَكلانَ مُوجَعٍ ، قد أخمَلَتْهُم التقيّةُ ، وشَمِلَتْهُم الذلّةُ ، فهم في بحرٍ اُجاج ، أفواههم ضامِزة، ۳ وقلوبهم قَرِحَةٌ، قد وَعَظوا حتّى مَلّوا ، وقُهِروا حتّى ذَلّوا ، وقُتِلوا حتّى قَلّوا ، فلتكن الدنيا أصغر في أعينكم من حُثالَةِ القَرَظ ۴ ، وقُراضَة الجَلَمِ ۵ ، واتّعظوا بمن كان قبلَكم قبل أن يَتَّعِظَ بكم مَنْ بَعْدَكم ، وارفُضُوها ذَميمةً ؛ فإنّها قد رَفَضَتْ مَنْ كان أشغَفَ بها منكم» . ۶قوله : (ما قَسَمَ اللّهُ للعبادِ [شَيْئا] أفضَلَ من العقلِ) .[ح ۱۱ / ۱۱]
العقل قسمان : غريزي، وكسبيّ . والكسبيّ هو الذي اُخرج من القوّة إلى الفعل بالتجارب ، وتعلّم العلوم والآداب والعمل بها ، وكلاهما بحسب القسمة الأزليّة في التدبير الأزلي ، وسيجيء في باب البداء وبابٍ قبله وبابٍ بعده معنى التدبير الأزلي ، وليست التسوية مأخوذة في مفهوم القسمة .
قال المطرزي في المغرب : «القسم ـ بالفتح ـ مصدر قسم القسّام المال بين الشركاء : فرّقه بينهم، وعيّن انصباءهم » انتهى . ۷
نعم ، إذا استعمل مع «على» اُريد التسوية ، فلكلّ مكلّف من كلّ من الغريزي والكسبي قسمة ونصيب .
والعاقل في قوله صلى الله عليه و آله : (نومُ العاقلِ أفضَلُ مِن سَهَرِ الجاهلِ) مَن وُفّق لإخراج ما في قوّته الغريزيّة إلى الفعل ، وحفظه عن استيلاء الهوى وغلبة حبّ الدنيا .

1.شريد نادّ ، أي مطرود ذاهب لوجهه ؛ إما لإنكاره ، أو لقلّة صبره على مشاهدته . مجمع البحرين ، ج ۳ ، ص ۱۵ (ندد).

2.كَعَمَ البعير يَكْعَمُه كَعْما ، فهو مَكعوم وكَعيم : شدّ فاه . لسان العرب ، ج ۱۲ ، ص ۵۲۲ (كعم) .

3.«ضامزة» بالزاي ، أي ساكنة . راجع : الصحاح ، ج ۲ ، ص ۸۸۱ ؛ لسان العرب ، ج ۷ ، ص ۲۳۲ (ضمز) .

4.الحُثالة والحُثال : الرديء من كلّ شيء . والقرظ : شجر يُدْبغ به . لسان العرب ، ج ۷ ، ص ۵۴ (قرظ) ؛ وج ۱۱ ، ص ۱۴۲ (حثل) .

5.قال ابن أبي الحديد : «الجلم : المقصّ ، تجزّ به أوبار الإبل. وقراضته : ما يقع من قرضه وقطعه» . شرح نهج البلاغة ، ج ۲ ، ص ۱۷۷ .

6.نهج البلاغة ، ص ۷۴ ، الخطبة ۳۲ .

7.المغرب ، ص ۳۸۲ (قسم).


الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
148

وفي خطبة من خطب نهج البلاغة :
«أيّها الناس ، إنّا قد أصبحنا في دهرٍ عَنود ، وزَمَنٍ كَنودٍ ۱ ، يُعَدُّ فيه المحسنُ مسيئا ، ويزدادُ الظالمُ فيه عُتُوّا ، لا نَنْتَفِعُ بما عَلِمْنا ، ولا نَسألُ عمّا جَهِلْنا ، ولا نَتَخَوَّفُ قارعةً حتّى تَحُلَّ بنا ، فالناس على أربعة أصنافٍ :
منهم : من لا يَمْنَعُه الفسادَ في الأرض إلّا مَهانةُ نَفْسِه وكَلالةُ حَدّه ، ونَضيضُ وَفْرِه . ۲
ومنهم : المُصْلِتُ ۳ بسيفه ، والمُعْلِنُ بشَرّه ، والمُجْلِبُ بخَيْله ورَجله ۴ ، قد أشْرَطَ نفسَه، وأوبَقَ دينَه لحطامٍ يَنتَهِزُه ، أو مِقْنَبٍ ۵ يَقودُه ، أو منبرٍ يَفْرَعُه ، ولبئسَ المَتجَرُ أن ترى الدنيا لنفسك ثمنا ، وممّا لك عند اللّه عِوَضا .
ومنهم : من يَطلُبُ الدنيا بعمل الآخرة ، ولا يَطلُبُ الآخرةَ بعمل الدنيا، قد طامَنَ من شَخْصِه، ۶ وقارَبَ من خُطْوِه ، وشَمَّرَ من ثوبه، وزَخْرَفَ من نَفْسِه للأمانة ، قد اتّخذ سِتْرَ اللّهِ ذريعةً إلى المعصية .
ومنهم : مَنْ أقعده ۷ على طلب الملك ضُؤولة ۸ نفسه، وانقطاع سببه ، فقَصَرَتْهُ الحالُ على حاله ، فتَحَلّى باسم القناعة ، وتزيّن بلباس أهل الزهادة ، وليس من ذلك في مَراحٍ ولا مَغدًى .
وبَقِيَ رجالٌ غَضَّ أبصارَهم ذِكْرُ المرجِعِ ، وأراقَ دُموعَهُم خوفُ المحشر ، فهم بين

1.أي لاخير فيها . والكنود : الكفور . اُنظر: مجمع البحرين ، ج ۳ ، ص ۱۳۸ (كند).

2.النَّضيض والنَّضيضة من كلّ شيء : قليله . و«نَضيضَ وفره» أي قلّة ماله . راجع : لسان العرب ، ج ۷ ، ص ۲۳۶ (نضض) ؛ و ج ۵ ، ص ۲۸۷ (وفر) ؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج ۲ ، ص ۱۷۶ .

3.أصْلَتَ سيفَه : جَرّده من غِمْده . اُنظر : لسان العرب ، ج ۲ ، ص ۵۳ (صلت) .

4.قال ابن أبى الحديد : «المُجلب ، اسم فاعل من أجلب عليهم ، أي أعان عليهم . والرَّجل ، جمع راجل ، كالركب جمع راكب ، والشرب جمع شارب» . شرح نهج البلاغة ، ج ۲ ، ص ۱۷۶ .

5.المِقْنَب من الخَيل : ما بين الثلاثين إلى الأربعين . لسان العرب ، ج ۱ ، ص ۶۹۰ (قنب) .

6.قال ابن أبي الحديد : «طامن عن شخصه ، أي خفض . وقارب من خطوه : لم يسرع ومشى رويدا» . شرح نهج البلاغة ، ج ۲ ، ص ۱۷۷ .

7.في المصدر : «أبعده» .

8.الضؤولة : الصغارة والحقارة . والضئيل : الصغير الحقير . راجع : لسان العرب ، ج ۱۱ ، ص ۳۸۸ (ضأل) .

  • نام منبع :
    الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : الدرایتی، محمد حسین
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 153414
صفحه از 637
پرینت  ارسال به