247
الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1

ثمّ ثلثّه عليه السلام بالحكمة ، فقال : (أما ترى الشمسَ والقمرَ) إلى آخره .
وسيجيء أنّ عبداللّه الديصاني جاء إلى أبي عبداللّه عليه السلام وسأله أن يدلّه على معبوده ، فقال عليه السلام : «ما اسمك؟» فخرج ولم يخبر باسمه ، فقال له أصحابه : كيف لم تخبره باسمك؟ فقال : لو كنت قلت : عبداللّه ، كان يقول : من هذا الذي أنت له عبدٌ ؟ ۱قوله : (فَما يُدْريكَ ما تَحْتَها) .] ح ۱ / ۲۱۵]
يعني لعلّ ما تنكره من الصانع المدبِّر في إحدى ما لم تبلغه من الجهات . وإنّما قال عليه السلام ذلك ليخرجه عن الجهل المركّب إلى الجهل البسيط ، فيصير قابلاً لإلقاء البرهان عليه ؛ إذ قلب صاحب الجهل المركّب كالصفا اليابس والحجر الجامس في محلّ الزرع ، يزلق عنه بذر الحكمة ولا يستقرّ فيه ، فكيف يُعرق وينمو ويثمر ؟
قوله : (وأنتَ جاحِدٌ بما فيهنّ) .] ح ۱ / ۲۱۵]
أي بالصانع المدبّر الذي فيهنّ ، ومثله في الرواية الآتية من قوله عليه السلام : «وكيف يكونُ قولُك وقولُهم واحدا وهم يقولون إنّ لهم مَعادا وثوابا وعقابا ، ويَدينونَ بأنّ في السماء إلها وأنّها عمران ، وأنتم تقولون: ۲ إنّ السماء خرابٌ ليس فيها أحدٌ» .
وكلمة «في» في هاتين العبارتين الشريفتين على نحو ما في كلام أمير المؤمنين عليه السلام في رواية ذِعْلِب الآتية حيث قال : «في الأشياء كلّها غير متمازج بها ولا بائن منها» . ۳
وفي بعض خطب نهج البلاغة : «داخلٌ في الأشياء لا كشيء داخل في شيء ، وخارج عن الأشياء لا كشيء خارج عن شيء» ۴ وإنّما لم يبيّن فيما نحن فيه أنّ كونه تعالى في السماء ـ مثلاً ـ ليس على ما يفهمه العامّة ؛ لأنّ المقام كان مقام الإجمال .
قوله : (فأنْتَ مِنْ ذلك في شَكٍّ) .] ح ۱ / ۲۱۵]
أي من وجود الصانع المدبِّر .

1.الكافي ، ج ۱ ، ص ۷۹ ، باب حدوث العالم وإثبات المحدث ، ح ۴ .

2.في المصدر : «تزعمون» .

3.الكافي ، ج ۱ ، ص ۱۳۸ ، باب جوامع التوحيد ، ح ۴ ؛ التوحيد ، ص ۳۰۸ ، ح ۲ .

4.لم نعثر عليه في نهج البلاغة، ولكن رواه في الكافي ، ج ۱ ، ص ۸۵ ، باب أنّه لايعرف إلاّ به ، ح ۲ ؛ والاختصاص ، ص ۲۳۵ .


الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
246

الحكم ، قال : قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام : ما الدليل على أنّ اللّه واحد؟ قال : «اتّصال التدبير، وتمام الصنع». ۱
ومن أراد تفصيل ذلك فعليه بكتاب توحيد المفضّل للصادق عليه السلام .
ولقد أحسن من قال (نظم):

كارگاهى به چنين نظم و نسقكار يك كارگزارست الحق
قوله (فمَنْ هذا المَلِكُ الذي أنت عَبْدُه) إلخ .] ح ۱ / ۲۱۵]
أخذ عليه السلام يدعوه إلى سبيل اللّه بكلٍّ من الطرق الثلاثة التي أمر اللّه عزّوجلّ في كتابه ، فابتدأ بالجدل ، والظاهر أنّه عليه السلام اُلهم أو حُدّث من جهة المَلَك أنّ له عليه السلام على الرجل من جهة الاسم إلزاما ، فقال ـ بعدما أجاب أنّ اسمه عبد الملك ـ : «مَن هذا المَلِك الذي أنت عبده؟» فكأنّه عليه السلام قال : إنّ من المسلّم المشهور عند الجمهور أنّ من اتّسم باسم عبداللّه وعبد الملك ـ مثلاً ـ كان بمجرى العادة متّصفا بمعناه الإضافي ، اللّهمَّ إلّا أن يكون على سبيل التدليس والمراء والنِّفاق بأن يظهر دخوله في زمرة أهل الدِّين ، ويضمر خلافه ، وهذه صفة يستنكف عنها كلّ من استشمّ رائحة العقل ، فيلزمك بمجرى العادة إمّا أن تتحمّل عار النِّفاق والتدليس ، أو تعترف بعبوديّة ملك من ملوك الأرض ، أو بعبوديّة ملك السماوات والأرض جلّ شأنه وبهر برهانه .
ثمّ ثنّى هذا الطريق بطريق الموعظة الحسنة التي هي أيضا إحدى طرق الدعوة إلى سبيل الربّ ، كما قال تعالى : «ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ . . .»۲ .
فقال : (عجبا لك لم تَبلُغِ المشرقَ، ولم تبلغ المغربَ ، ولم تَنزِلِ الأرضَ ، ولم تَصعَدِ السماءَ ، ولم تَجُزْ هناك، فتعرفَ ما خلفَهنّ، وأنت جاحدٌ بما فيهنّ ؟ وهل يَجحَدُ العاقلُ ما لم يَعرِفُ۳؟) .

1.التوحيد ، ص ۲۵۰ ، ح ۲ . وعنه في البحار ، ج ۳ ، ص ۲۲۹ ، ح ۱۹ .

2.النحل (۱۶) : ۱۲۵ .

3.في الكافي المطبوع : «ما لايعرف» .

  • نام منبع :
    الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : الدرایتی، محمد حسین
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 166814
صفحه از 637
پرینت  ارسال به