251
الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1

فكِّر الآنَ في تنقّل الشمس في البروج الاثني عشر لإقامة دور السنة ، وما في ذلك من التدبير ؛ فهو الدور الذي تصحّ به الأزمنة الأربعة من السنة : الشتاء ، والربيع، والصيف ، والخريف ، وتستوفيها على التمام ، وفي هذا المقدار من دوران الشمس تدرك الغلّات والثمار وتنتهي إلى غاياتهم ، ثمّ تعود فتستأنف النشوء والنموّ ؛ ألا ترى أنّ السنة مقدار مسير الشمس من الحَمَل إلى الحَمَل ؛ فبالسنة وأحوالها يكال الزمان من لدن خلق اللّه تعالى العالم إلى كلّ وقت وعصر في غابر الأيّام، وبها يحسب الناس الأعمار والأوقات الموقّتة للديون والإجارات والمعاملات وغير ذلك من اُمورهم ، وبمسير الشمس تكمل السنة ، ويقوم حساب الزمان على الصحّة ؛ اُنظر إلى شروقها على العالم كيف دبّر أن يكون ، فإنّها لو كانت تبزغ في موضع من السماء فتقفَ لا تعدوه ، لما وصل شعاعها ومنفعتها إلى كثير من الجهات ؛ لأنّ الجبال والجُدْران كانت تحجبها [عنها] فجعلت تطلع من أوّل النهار من المشرق ، فتشرق على ما قابلها من وجه المغرب ، ثمّ لا تزال تدور تغشى جهةً بعد جهة حتّى تنتهي إلى المغرب ، فتشرق على ما استتر عنها في أوّل النهار ، فلا يبقى موضع من المواضع إلّا أخذ بقسطه من المنفعة منها والإرب التي قدّرت له ، ولو تخلّفت مقدارَ عامٍ أو بعض عامٍ كيف كان يكون حالهم ؟ بل كيف كان يكون لهم مع ذلك بقاء ؟
أفلا ترى كيف كفى الناس هذه الاُمور الجليلة التي لم يكن عندهم فيها حيلة ، فصارت تجري على مجاريها لا تعتلّ ۱ ، ولا تتخلّف عن مواقيتها لصلاح العالم وما فيه بقاؤه .
استدلّ بالقمر ، ففيه دلالة جليلة يستعملها العامّة في معرفة الشهور ، ولا يقوم عليه حساب السنة ؛ لأنّ دوره لايستوفي الأزمنة الأربعة ونشوء الثمار وتصرّمها، ولذلك صارت شهور القمر وسِنوه تتخلّف عن شهور الشمس وسنيها ، وصار الشهر من شهور القمر ينتقل ، فيكون مرّة بالشتاء ومرّة بالصيف .
فكِّر في إنارته في ظلمة الليل والإرب في ذلك ؛ فإنّه ـ مع الحاجة إلى الظلمة لهدوء

1.في المصدر : «لاتفتل» .


الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
250

ولنذكر طرفا ممّا ذكره مولانا الصادق عليه السلام في توحيد المفضّل ممّا يتعلّق بهذا المطلب ، قال عليه السلام :
«فكِّر يا مفضّل في طلوع الشمس وغروبها لإقامة دولتي النهار والليل ، فلولا طلوعهما لبَطَلَ أمر العالم كلّه ، فلم يكن الناس يسعون في معائشهم ويتصرّفون في اُمورهم، والدُّنيا مظلمة عليهم ، ولم يكونوا يتهنّئون بالعيش مع فقدهم لذّة النور ورَوْحَه ، والإرب في طلوعها ظاهر مستغنى بظهوره عن الإطناب في ذكره والزيادة في شرحه ، بل تأمَّلِ المنفعةَ في غروبها ، فلولا غروبها لم يكن للناس هدوء ولا قرار مع عِظَم حاجتهم إلى الهدوء والراحة؛ لسكون أبدانهم ، وجموم حواسّهم ، وانبعاث القوّة الهاضمة لهضم الطعام ، وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء ، ثمّ كان الحرص يستحملهم في مداومة العمل ومطاولتهم على ما يعظم نكايته في أبدانهم ؛ فإنّ كثيرا من الناس لولا جثوم هذا الليل بظلمته عليهم لم يكن لهم هدوء ولا قرار حرصا على الجمع والكسب والادّخار ، ثمّ كانت الأرض تستحمي بدوام الشمس بضيائها ، وتحمي كلّ ما عليها من حيوان ونبات ، فقدّرها اللّه بحكمته وتدبيره؛ تطلع وقتا ، وتغرب وقتا بمنزلة سراج يرفع لأهل البيت تارةً ليقضوا حوائجهم ، ثمّ يغيب عنهم مثل ذلك ليهدؤوا ويقرّوا ، فصار النور والظلمة مع تضادّهما منقادين متظاهرين على ما فيه صلاح العالم وقوامه .
ثمّ فكِّر بعد هذا في ارتفاع الشمس وانحطاطها لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة، وما في ذلك من التدبير والمصلحة ؛ ففي الشتاء تعود الحرارة في الشجر والنبات ، فيتولّد فيها موادّ الثمار ، ويستكثف الهواء ، فينشأ منه السحاب والمطر ، وتشتدّ أبدان الحيوان وتقوى ، وفي الربيع تتحرّك وتظهر الموادّ المتولّدة في الشتاء ، فيطلع النبات ، وتنوّر الأشجار ، ويهيج الحيوان للسفاد ، وفي الصيف يحتدم الهواء ، فينضج الثمار ، ويتحلّل فضول الأبدان ، ويجفّ وجه الأرض ، فيتهيّأ للبناء والأعمال .
وفي الخريف يصفو الهواء ، وترتفع الأمراض ، وتصحّ الأبدان ، ويمتدّ الليل ، فيمكن فيه بعض الأعمال لطوله ، ويطيب الهواء ، وفيه مصالحُ اُخرى لو تقصّيت لذكرها لطال فيها الكلام .

  • نام منبع :
    الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : الدرایتی، محمد حسین
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 166624
صفحه از 637
پرینت  ارسال به