255
الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1

وجماعةً اُخرى كانوا أصحاب الكمون والبروز ، وهم يقولون : إنّ الأنواع مكنونة في الأنواع قد يبرز نوع فيلحقه اسمه ، ثمّ يكمن فينتفي الاسم ، ويلحق اسم بارزٍ آخَرَ ؛ هكذا في الكتب الكلاميّة .
ونقل المفضّل بن عمر قدس سره في كتاب توحيده من كلام ابن أبي العوجاء أنّه قال لصاحبه : إنّ ابتداء الأشياء بالإهمال ، لا صنعة فيه ولا تقدير ، ولا صانع ولا مدبِّر ، بل الأشياء تتكوّن من ذاتها بلا مدبِّر ، وعلى هذا كانت الدنيا لم تزل ولا تزال . ۱
ومن كلام مولانا الصادق عليه السلام في موضع من التوحيد حيث قال :
«يا مفضّل، إنّ الشُّكّاك جهلوا الأسباب والمعانيَ في الخلقة ، وقصرت أذهانهم عن تأمّل الصواب والحكمة فيما ذرأ الباري جلّ قدسه ، وبرأ من صنوف خلقه في البرّ والبحر والسهل والوعر ، فخرجوا بقصر عُلُومهم إلى الجحود ، وبضعف بصائرهم إلى التكذيب والعنود ، حتّى أنكروا خلق الأشياء ، وادّعوا أنّ تكوّنها بالإهمال ، لا صنعة فيها ولا تقدير ، ولا حكمة من مدبِّر ولا صانع ؛ تعالى اللّه عمّا يصفون ، وقاتلهم أنّى يؤفكون ، فهم في ضلالهم وعمائهم وتحيّرهم ۲ بمنزلة عميان دخلوا دارا قد بُنيت أتقنَ بناءٍ وأحسنَه ، وفُرشت بأحسن الفرش وأفخره ، واُعدَّ فيها ضروب الأطعمة والأشربة والملابس والمآرب التي يُحتاج إليها لا يستغنى عنها ، ووضع كلّ شيء من ذلك موضعه على صواب من التقدير ، وحكمة من التدبير ، فجعلوا يتردّدون فيها يمينا وشمالاً ، ويطوفون بيوتها إقبالاً وإدبارا ، محجوبةً أبصارهم عنها ، لا يبصرون بنية الدار وما اُعدَّ فيها ، وربّما عثر بعضهم بالشيء الذي قد وقع موضعه ، واُعدّ للحاجة إليه وهو جاهلٌ بالمعنيّ فيه ، ولما اُعدَّ ، ولماذا جعل كذلك ، فتذمر وتسخّط، وذمّ الدار وبانيَها ، فهذه حال هذا الصنف من إنكارهم ما أنكروا من أمر الخلقة وثبات الصنعة ؛ فإنّهم لمّا غربت أذهانهم عن معرفة الأسباب والعلل في الأشياء ، صاروا يجولون في هذا العالم

1.توحيد المفضّل ، ص ۳۹ ؛ بحار الأنوار ، ج ۳ ، ص ۵۷ .

2.في المصدر : «وغيّهم وتجبّرهم» بدل «وعمائهم وتحيّرهم» .


الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
254

انتهى كلامه صلوات اللّه عليه وسلامه ، وفيه دلالات على تعيّن ما فسّرنا به الاشتباه كما لا يخفى على البصير .
فإن قلت : إنّك قد قرّرت أنّ قوله عليه السلام : «والليل والنهار يلجان» مع ما عطف على يلجان جملةٌ حاليّة ، فهل هي حال عن الشمس والقمر كليهما ، أو ذكر القمر استطراديّ تمهيدا لقوله : «قد اضطرّا»؟
قلت : الظاهر الأوّل ؛ إذ كما أنّ الشمس لها مدخل في وجود النهار ، كذلك القمر له مدخل في وجود الليل ؛ لأنّ أكثر الليالي ليست تحت الظلمة ، بل ظلمة مختلطة بنور القمر ، فالشمس والقمر معا في معرض الإبصار والاعتبار والِجا كلّ من أثريهما ـ أعني الظلمة المخصوصة والضياء المخصوص المعبّر عنهما بالليل والنهار ـ في صاحبه ولوجا لا يشتبهان ، ويستأنفان ذلك بعد إتمام السنة .
وقوله عليه السلام : «قد اضطرّا» استئنافٌ ، الاستئنافَ الذي في قول الشاعر : «سهر دائم وحزن طويل» ۱ أعني جواب عن السؤال عن مطلق السبب ، كأنّ قائلاً يقول : ما بالهما وهذه حالهما ؟ فاُجيب بأنّهما مضطرّان .
في القاموس : «الاضطرار : الاحتياج إلى الشيء . واضطرّه اللّه إليه : أحوجه وألجأه ؛ فاضطُرّ ، بضمّ الطاء» . ۲
واعلم أوّلاً أنّ الزنادقة فِرَق كثيرة، وآراؤهم مختلفة ، فبالحريّ أن نفصّلها بعضَ التفصيل؛ ليظهر تقابل المدلول والدليل ، فنقول :
إنّ جماعة من منكري مدبِّر العالم كانوا أصحاب الخليط ، وهم الذين رأيهم الخبيث أنّ أجزاء الأنواع كانت مبثوثةً في الجوّ متصغّرةً متحرِّكة بلا نظام ، فاتّفق أن صادف عدّة أجزاء من نوعٍ عدّةً من نوعها ، فالتأمت ، وبهذا الوجه تولّدت عدّة أشخاص الحيوان ، ثمّ توالدوا وعمرت الدنيا .

1.صدره هكذا : «قال لي كيف أنت قلت عليل» . اُنظر: مختصر المعاني للتفتازاني ، ص ۱۵۲ .

2.القاموس المحيط ، ج ۲ ، ص ۷۵ (ضرر) .

  • نام منبع :
    الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : الدرایتی، محمد حسین
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 166607
صفحه از 637
پرینت  ارسال به