وجماعةً اُخرى كانوا أصحاب الكمون والبروز ، وهم يقولون : إنّ الأنواع مكنونة في الأنواع قد يبرز نوع فيلحقه اسمه ، ثمّ يكمن فينتفي الاسم ، ويلحق اسم بارزٍ آخَرَ ؛ هكذا في الكتب الكلاميّة .
ونقل المفضّل بن عمر قدس سره في كتاب توحيده من كلام ابن أبي العوجاء أنّه قال لصاحبه : إنّ ابتداء الأشياء بالإهمال ، لا صنعة فيه ولا تقدير ، ولا صانع ولا مدبِّر ، بل الأشياء تتكوّن من ذاتها بلا مدبِّر ، وعلى هذا كانت الدنيا لم تزل ولا تزال . ۱
ومن كلام مولانا الصادق عليه السلام في موضع من التوحيد حيث قال :
«يا مفضّل، إنّ الشُّكّاك جهلوا الأسباب والمعانيَ في الخلقة ، وقصرت أذهانهم عن تأمّل الصواب والحكمة فيما ذرأ الباري جلّ قدسه ، وبرأ من صنوف خلقه في البرّ والبحر والسهل والوعر ، فخرجوا بقصر عُلُومهم إلى الجحود ، وبضعف بصائرهم إلى التكذيب والعنود ، حتّى أنكروا خلق الأشياء ، وادّعوا أنّ تكوّنها بالإهمال ، لا صنعة فيها ولا تقدير ، ولا حكمة من مدبِّر ولا صانع ؛ تعالى اللّه عمّا يصفون ، وقاتلهم أنّى يؤفكون ، فهم في ضلالهم وعمائهم وتحيّرهم ۲ بمنزلة عميان دخلوا دارا قد بُنيت أتقنَ بناءٍ وأحسنَه ، وفُرشت بأحسن الفرش وأفخره ، واُعدَّ فيها ضروب الأطعمة والأشربة والملابس والمآرب التي يُحتاج إليها لا يستغنى عنها ، ووضع كلّ شيء من ذلك موضعه على صواب من التقدير ، وحكمة من التدبير ، فجعلوا يتردّدون فيها يمينا وشمالاً ، ويطوفون بيوتها إقبالاً وإدبارا ، محجوبةً أبصارهم عنها ، لا يبصرون بنية الدار وما اُعدَّ فيها ، وربّما عثر بعضهم بالشيء الذي قد وقع موضعه ، واُعدّ للحاجة إليه وهو جاهلٌ بالمعنيّ فيه ، ولما اُعدَّ ، ولماذا جعل كذلك ، فتذمر وتسخّط، وذمّ الدار وبانيَها ، فهذه حال هذا الصنف من إنكارهم ما أنكروا من أمر الخلقة وثبات الصنعة ؛ فإنّهم لمّا غربت أذهانهم عن معرفة الأسباب والعلل في الأشياء ، صاروا يجولون في هذا العالم