261
الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1

ثمّ إنّ النفوس على تفاوت مراتبهم نوعان :
نوعٌ شوقه الذاتي إلى الخيرات ، وهم طينات طيّبات ، صفوها الملائكة المقرّبون الذين لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمَرون ، ۱
والأنبياء والأوصياء المعصومون الذين أذهب اللّه عنهم الرِّجس وطهّرهم تطهيرا .
ثمّ ما فضل من ذلك الصفو وهم شيعتهم ومحبّوهم على تفاوت درجاتهم في القُرب والبُعد إليهم ، وقد ورد في الخبر : «أنّ شيعتنا من فضل طينتنا ، ولذلك تحنّ قلوبهم إلينا» . ۲
ونوع آخَرُ شوقه الذاتي إلى الشرور وهم طينات خبيثات ، أخبثها أبالسة الجنّ وفراعنة الإنس وطواغيتهم ، وما فضل من ذلك الأخبث هو شيعتهم ومحبّوهم .
وقد ظهر ذاتيّة شوقي النوعين في عدّة أفراد بحيث لم يبق للشكّ مجال ، وجزم الذهن الثاقب والحدس الصائب بأنّ إرادتهم واختياراتهم ناشئة من طيناتهم ، والمراد بالطينة مقدور القدرة الكاملة الذي أحاط العلم الأزلي بصفاتها ومقتضياتها في مرتبة «ما» الشارحة .
ولينظر أهل الاعتبار إلى ما يظهر من هؤلاء المردة طينة الخنازير والقردة بالنسبة إلى أهل بيت الرسول عليهم السلام من الظلم والقهر والقتل والأسر ، وقد قلت في بعض مراثيّ :

فواحسرتا واسوأتا وامصيبتالمذبوح أرض الطفّ يوم نزال
تدور بدور الفخر والعزّ والعُلىزقاق بلاد الشام فوق جمال
أطائب بيض كالشموس وجوههابِظَهرٍ شَموسٍ في مسير قلال
فوجود القدرة في اُولئك الأرجاس ليس إلّا ليظهر أنّ ذواتهم في مرتبة «ما» الشارحة كانت فاقدةَ الخير غيرَ قابلة للاستماع ، مريدةً لاستعمال القدرة ـ التي يصحّ أن تُستعمل في الخيرات والطاعات ـ في الشرور والمعاصي ، فهم ما داموا مخلّى السِّرْبِ

1.إشارة إلى الآية ۶ من سورة التحريم (۶۶) .

2.الكافي ، ج ۱ ، ص ۳۸۹ ، باب خلق أبدان الأئمّة و ... ، ح ۱ ؛ بصائر الدرجات ، ص ۱۴ ، ح ۱ ؛ و ص ۱۶ ، ح ۸ ؛ و ص ۱۹ ، ح ۱ ؛ و ص ۲۴ ، ح ۱۸ .


الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
260

هو القضاء المحكم ، والأمر المبرم ، والتدبير المتّصل ، وقد سمعت قول الصادق عليه السلام لمفضّل : «إنّ الذي سمّوه طبيعة هو سنّة في خلقه ، جارية على ما أجراها عليه».
ومن الأجسام ما له نفسٌ ، وهي محرّكة كالطبيعة ولكن بشعور ، وفيها شوقٌ مكنون إلى تحريك خاصّ ، وتفعل ذلك إذا برز الشوق بمصادفة مهيّجة من رؤيةٍ ، أو سماع ، أو فقرٍ ، أو غنىً ، أو معاشرة ، أو تأثّر وانفعال ، أو أمثال ذلك ، واستوفت شرائطَ الفعل من قدرة ، وصحّة بدن ، وسلامة أعضاء ، وغير ذلك ، وهذا الشوق إرادة ذاتيّة للنفوس ، تابعة لخصوصيّات الذوات ، يكشف عن ذلك أنّه قد يهيّجه مصادف في ذات ، ولا يهيّجه ذلك المصادف بعينه في ذاتٍ آخَرَ ، وقد يشترك عدّة ذوات في هيجان شوقها بمصادفٍ خاصّ .
وبالجملة ، إذا هاجت الإرادة الذاتيّة المكنونة بمصادفة تهيّج ، ووقعت المعارضات بينها وبين الأشواق العقليّة والحيوانيّة ـ أعني الشهوانيّة والغضبيّة ـ كان الدست لها ، وإن صارت مغلوبةً أحيانا ووقعت خلافَ ما اشتهته ، فذلك من جهة التدبير الكلّي والتسخير القضائي ؛ لمصلحة النظام الأعلى ، ومع ذلك كانت عاقبة الأحوال على وفق تلك الإرادة، كما ورد في كتاب الإيمان والكفر : «يُسلَكُ بالسعيد [في ]طريق الأشقياء حتّى يقولَ الناسُ : ما أشْبَهَهُ بهم ، بل هو منهم ، ثمّ يتداركه السعادة» وبالعكس ، ۱ وقد نظمتُ هذا في المثنوي المسمّى ب «نان وپنير» (نظم) :

اى لواى اجتهاد افراختهروزه هر روزه عادت ساخته
اهل زلّت را بشقوت كرده حكمبسته شان در ربقه صمّ و بكم
هان مشو مغرور بر افعال خويشهان مشو مسرور از احوال خويش
اى بسا نعلى كه وارون بسته شدشيشه امن نفوس اشكسته شد
گبر چندين ساله در حين نزعكرد بر حقّيّت اسلام قطع
عابدى با شدّ و مدّ و كشّ وفشبهر ترسا بچّه اى شد باده كش
كار با انجام كارست و سرشتختم ، كاشف از سرشت خوب و زشت
اى بسا بد طينتِ نيكو خصالاى بسا خوش طينت نا خوش فعال
طينتِ بد آنكه در علم ازلرفته از وى ختم بر كفر و دغل
ومن حسن التدبير في تيسير أسباب المعيشة للطينة الطيّبة أنّ العبد يصير بالندم والتوبة محبوبا للّه تعالى كما قال : «إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ»۲ ويسلم عن الإعجاب الذي يعرض لكثير من العبّاد .
روى الكليني في باب العُجب عن أبي عبداللّه عليه السلام ، قال : «إنّ اللّهَ عَلِمَ أنّ الذنبَ خيرٌ للمؤمن من العُجْب ، ولولا ذلك ما ابْتُلِيَ مؤمنا بذنبٍ أبدا» . ۳
وفي باب تنقّل أحوال القلب في آخر حديثٍ نقله أبو جعفر عليه السلام عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله : «لولا أنّكم تُذنِبونَ فتستغفرونَ اللّهَ ، لخَلَقَ اللّهُ خلقا حتّى يُذنِبوا ، ثمّ يستغفروا اللّهَ ، فَيَغْفِرَ لهم» . ۴
أقول : هذا الحديث صريح في أنّ بناء إيجاد أجزاء النظام الأعلى ـ أعني العالم بأسره ـ على الأسماء الحُسنى ، وكلّ منها مظهر لغاية اسم كما سنبيّن ذلك أوضحَ تبيينٍ .
ومن حسن التدبير في تيسير أسباب الخير والحسنة للطينة الخبيثة انتفاعُ المستضعفين بصلتهم وعطائهم ؛ إذ كانت الدنيا في الأغلب في أيديهم . هذا في الحسنات الماليّة ؛ وأمّا البدنيّة ، فموجبة لكسر صولتهم في التجبّر والتكبّر، فيُكَفُّون عن إيذاء خلق اللّه بعضَ الكفّ ، إلى غير ذلك .
وربّما كانت الإرادة الذاتيّة خامدةً ؛ لفقد المهيّج والشروط زمانا ، والمرء يحسب أن ليس لذاته ميلٌ إلى خصوص فعل ، لكن إذا صادفهما هاجت وهو لم يتمالك نفسه ، واللّه تعالى هو العالم بمكنون ذاته ، وهو الموجّه إليه المهيّجات ، المضطرُّ له في بروز المكنون في ذاته على حسب التدبير الأزلي .

1.الكافي ، ج ۱ ، ص ۱۵۴ ، كتاب التوحيد ، باب السعادة والشقاء ، ح ۳ .

2.البقرة (۲) : ۲۲۲ .

3.الكافي ، ج ۲ ، ص ۳۱۳ ، ح ۱.

4.الكافي ، ج ۲ ، ص ۴۲۳ ، ح ۱ .

  • نام منبع :
    الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : الدرایتی، محمد حسین
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 166308
صفحه از 637
پرینت  ارسال به