277
الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1

على حلّها ، ولقد وقع الاحتياج إليها في زماننا ؛ لشيوع الشُّبه وكثرة ذكرها من المتأخِّرين .
المقدّمة الاُولى : أنّ ما يخرج من العدم إلى الوجود لا يمكن أن يخرج بنفسه ، بل يحتاج إلى موجد مباين له ؛ لأنّ ما لا يكون موجودا فيصير موجودا لايمكن أن يصير موجودا ويحصل له الوجود إلّا بمحصّل لوجوده وسببٍ لاتّصافه به ، ولا يجوز أن يكون ذلك المحصّل للوجود مهيّتَه الخاليةَ عن الوجود ؛ لأنّ إعطاء الوجود وتحصيله من غير الموجود لا يتصوّر ، فلابدّ أن يكون الموجد له والعلّة المطلقة لوجوده موجودا مباينا له .
وقد استعملها ۱ أبو عبداللّه عليه السلام كما رواه الصدوق بإسناده عن هشام بن الحكم أنّه قال أبو شاكر الديصاني لأبي عبداللّه عليه السلام : ما الدليل على أنّ لك صانعا؟ فقال : وجدت نفسي لا تخلو من إحدى جهتين : إمّا أن أكون صنعتها أنا ۲ ، فلا أخلو من أحد معنيين : إمّا أن أكون صنعتها وكانت موجودة ، أو صنعتها وكانت معدومة ، فإن كنت صنعتها وكانت موجودة ، فقد استغنيت بوجودها عن صنعتها ، وإن كانت معدومة ، فإنّك تعلم أنّ المعدوم لا يحدث شيئا ؛ فقد ثبت المعنى الثالث أنّ لي صانعا وهو اللّه ربّ العالمين» . ۳
المقدّمة الثانية : أنّ ما يوجد فيه شيئان ـ ولو بالتحليل ـ لابدّ لضمّهما من موجبٍ ، أحدهما كان أو ثالثا .
وبيانها أنّ ما ينحلّ إلى الشيئين في العقل ، ويحكم العقل بانحلاله إليهما حكما صادقا ـ سواء كان الانحلال إلى ذاتيّين أو إلى الذاتي والعرضي انحلالاً لا يخلو فيه كلّ منهما في مرتبة عن الاُخرى ـ فللإيجاد أو الخلط والمقارنة فيه لا محالة سبب ، وسببه إمّا أحدهما أو الثالث .
ثمّ لا يجوز في الوجود المطلق ـ الذي لا يكون ذاتيّا للموجود في الخارج ؛ لكونه من المنتزعات العقليّة ـ أن يكون سببا لهذا الانضمام الذي هو الموجوديّة ؛ فإنّ مقتضى كون الشيء موجودا ـ أي كونه بحيث يصحّ انتزاع الوجود منه ـ لا يكون إلّا ما هو موجود ، فضلاً أن يكون ما لا يتصوّر وجوده ، ولا يجوز أن يكون سببه المهيّةَ الخالية عن الوجود

1.الضمير راجع إلى المقدّمة الاُولى.

2.في التوحيد : + «أو صنعها غيرى ؛ فإن كنت صنعتها أنا».

3.التوحيد ، ص ۲۹۰ ، ح ۱۰ . وعنه في بحار الأنوار ، ج ۳ ، ص ۵۱ ، ح ۲۳ .


الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
276

والوجه الآخر أنّه رأى آثار العمد والتدبير ، والحكمة والتقدير ، الدالّةَ على الصانع القدير ، فاشيةً في أقرب الأشياء إليه، وهو نفسه كما نبّه عليه في قوله تعالى : «وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ»۱ ، فأوجب له علما اضطراريّا وإن كان استدلاليّا ، كما هو الشأن في النتائج الفطريّة التي قياساتها معها ، فلا يستطيع الجحود وادّعاء الشكّ إلّا على وجه الإلجاء والعنود ، وسيجيء إتمام الكلام في هذا المقام في شرح حديث : «اعرفوا اللّه باللّه » . ۲
وإلى التذلّل التسخيري والعلم الاضطراري أشار أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة حيث قال : «لم يُطْلِعِ العقولَ على تحديدِ صفتِه، ولم يَحْجُبْها عن واجبِ معرفته ، فهو الذي شهد ۳ له أعلامُ الوجودِ على إقرارِ قلبِ ذي الجُحُودِ». ۴ وقال تعالى : «جَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْما»۵ ، وحديث تذلّل القلب له تعالى عند كسر السفينة وانقطاع الرجاء عن الخلق بالكلّيّة من شواهد هذا الباب .
فظهر أنّ كلّ من استشمّ رائحة العقل عالم بأنّ في الوجود من بيده زمام أمره علما اضطراريّا ، ومتذلّل له تذلّلاً طبيعيّا تسخيريّا ، وإن غفل عن ذلك أحيانا ولم يشعر به ، فإنّما هو بسبب التوغّل في الملاهي ، وبلوغ نشأة الغفلة حدَّ الكمال والتناهي .
نعم ، هذا العلم يكون خاملاً لجهلين :
أحدهما : الجهل بأسمائه الحسنى والصفات اللأئقة به .
والثاني : الجهل بأنّه كما هو ربّه وإلهه فهل هو إله الكلّ وربّ العالمين ؟ فالحمدُ للّه الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه .
وفي حاشية السيّد الجليل الرفيع رحمه الله :
هذا الدليل والأدلّة التي ستذكر في الأحاديث الآتية كلّها مبنيّة على مقدّمات مرتكزة في العقول السليمة ، لا يُشكّ فيها إلّا عند الاشتباه الناشئ من ورود الشُّبه التي لا يُقدَر

1.الذاريات (۵۱) : ۲۱ .

2.الكافي ، ج ۱ ، ص ۸۵ ، باب أنّه لايعرف إلاّ به ، ح ۱ .

3.في المصدر : «تشهد» .

4.نهج البلاغة ، ص ۸۷ ، الخطبة ۴۹ .

5.النمل (۲۷) : ۱۴ .

  • نام منبع :
    الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : الدرایتی، محمد حسین
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 165889
صفحه از 637
پرینت  ارسال به