41
الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1

وهذا هو الحقّ عندي ، وستقف في باب المعبود على ما يشهد به .
وقال شيخنا البهائي قدس سره في حواشيه :
هذا الوجه مبنيّ على ما هو الظاهر من تعريف العَلَم بما وضع للذات مع جميع المشخّصات ، واعترض عليه بعض الأعلام بأنّه إنّما يدلّ على عدم تمكّن البشر من وضع العَلَم له تعالى ؛ لعدم اطّلاعهم على جميع مشخّصاته ، فيجوز أن يضع هو لذاته علما . نعم ، نحن معاشر الممكنات لا يمكننا ذلك ، وليس النزاع فيه .
أقول في الجواب : إنّ غرض المؤلّف هو أنّ وضع العَلَم لخصوصيّة الذات لايليق بالحكمة ؛ لجريانه مجرى العبث ؛ لأنّ الدلالة على تلك الذات بالعَلَم بحيث يفهم منه المعنى العَلَمي غير ممكنة ؛ لكونها غير معقولة للبشر ، والغرض من وضع العلم التفهيم والتفاهم والدلالة على المسمّى ليخطر بشخصه ببال السامع عند إطلاق اللفظ الموضوع له ، وعلمه تعالى بخصوصيّة ذاته معلوم ، ولكن نحن معاشر الممكنات من المادّيات والمجرّدات لا يخطر ببالنا عند سماع العَلَم نفس الموضوع له قطعا ؛ لتقدّسه عن التلوّث بالحضور بعينه لأذهاننا ، فلايمكن دلالتنا على المعنى العَلَمي ، بل لا يمكننا تعقّل الذات المقدّسة إلّا بصفات وسلوب وإضافات يمكننا فهم معانيها ، فلا يكون اللّه عَلَما ، وفي قوله : «فلا يمكن أن يدلّ عليه بلفظٍ» إيماءٌ إلى ما قلنا .
هذا ، والحقّ أنّه يكفي في وضع العَلَم لذاتٍ تعقّلها بوجه يمتاز به عمّن عداها ، ولايشترط علم الواضع بجميع المشخّصات وملاحظتها عند الوضع . ۱ انتهى .
أقول في مقام الانتصار له : لو تصوّرنا مفهوما بوجه أنّه لا يُشترك في ماهيّته بوجه ـ كما هو الواقع في الواجب تعالى ـ فهذا المتصوّر ممتاز عن جميع المتصوّرات ، وبعد أن يُثبت البرهانُ وجودَه يحصل العلم بشخصٍ غير منتشر ، أمّا الشخصيّة فمن جهة الوجود ، وأمّا عدم الانتشار فمن جهة المفهوم ، وذلك واضح ؛ فإذا وضعنا للشخص لفظا ، كان عَلَما له لا محالة ، مع أنّا لم نعلم مشخّصاتٍ .
ولو قيل : لايخطر بالبال عند سماع ذلك الاسم بَحْتُ الذات الشخصيّة بخلافه عند

1.حواشي الشيخ البهائي على تفسير البيضاوي مخطوط ، وسيطبع مع سائر آثاره التفسيريّة في مجلّد مستقلّ إن شاء اللّه تعالى .


الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
40

ويُحتمل أن يُراد بالحمد ما يُحمد به، وهي الأسماء الحسنى . وكيف كان ينبغي أن يعمّم مورد الحمد بأن يكون باللِّسان المقالي أو الحالي ليشمل حمدَ كافّة الأشياء، كما عمّم في قوله عزَّ من قائل : «وَ إِن مِّن شَىْ ءٍ إِلَا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ»۱ ، فالمعنى أنّ فعل الحمد من كلّ أحد ـ أي عدّ المحاسن الذاتيّة والفعليّة العائدة عائدتها إلى الحامد ، وغير الحامد ، أو ما يُحمد به كلّها من حيث الاستحقاق الذاتي ـ مختصٌّ باللّه ، على أنّ اللام للاختصاص ، ولا ريب فيه ؛ لأنّ المحاسن الذاتيّة من الحُسن والبهاء والعظمة والكبرياء ، والفعليّة من الجود والإعطاء والإفضال بصنوف الآلاء والنعماء على الحقيقة وأوّلاً وبالذات له تعالى ، وما لغيره فإنّما هو ظلال وعكوس وعلى سبيل المجاز ؛ كما يكشف عن ذلك الحصر الذي في كلام المعصومين العارفين باللّه الهادين إليه صلوات اللّه عليهم أجمعين ، حيث قالوا في تحميداتهم وتمجيداتهم : «لك الأسماء الحسنى والكبرياء والآلاء» ۲ .
هذا هو الكلام في المحمود به ، وسيجيء الكلام في المحمود عليه .
وأمّا الجلالة ، فقد اختُلف فيها ؛ فقيل : إنّها عَلَم . وقيل : بل مشتقّة . وقد بُسط الكلام من الطرفين في حواشي السيِّد الشريف والتفتازاني على الكشّاف ۳ .
وقال البيضاوي :
الحقّ أنّه وصف في أصله ، لكنّه غلب عليه تعالى بحيث لا يستعمل في غيره ، فصار كالعَلَم ، مثل الثريّا والصعق ، أجرى مجراه في إجراء الأوصاف عليه وامتناع الوصف به، وعدم تطرّق احتمال الشركة إليه ؛ لأنّ ذاته من حيث هو بلا اعتبار أمر آخَرَ ـ حقيقي أو غير حقيقي ـ غيرُ معقول للبشر ، فلا يمكن أن يُدلّ عليه بلفظ ۴ . إلى آخر ما قال .

1.الإسراء (۱۷) : ۴۴ .

2.الكافي ، ج ۴ ، ص ۱۶۰ ، باب الدعاء في العشر الأواخر من شهر رمضان ، ح ۲ ؛ الفقيه ، ج ۲ ، ص ۱۶۱ ، ح ۲۰۳۲ ؛ تهذيب الأحكام ، ج ۳ ، ص ۱۰۱ ، ح ۲۶۳ ؛ مصباح المتهجّد ، ص ۶۱۴ ، ۶۲۸ و ... ؛ جمال الاُسبوع ، ص ۷۹ ؛ المصباح للكفعمي ، ص ۶۳۶ ؛ البلد الأمين ، ص ۲۲۵ .

3.الحاشية على الكشّاف للسيّد الشريف، ص ۳۵ ـ ۴۰.

4.أنوار التنزيل ، ج ۱ ، ص ۳۴ و ۳۵ .

  • نام منبع :
    الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : الدرایتی، محمد حسین
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 166616
صفحه از 637
پرینت  ارسال به