بالتشخّص في نظر الواضع ، وهو مناط العَلَميّة ، لا التشخّص الذي للشيء في حدّ ذاته .
ومن علم ما كان تشخّصا في نظر الواضع ـ ولو كان وصفا كلّيا منحصرا في الموضوع له بزعم الواضع ـ انتقل ذهنه إلى المقصود عند السماع قطعا ؛ ألا ترى أنّه لو كان جماعة من الشيعة في بلاد السنّة، وتواطؤوا على وضع لفظ لمن تصدّى للخلافة عقيب رحلة النبيّ صلى الله عليه و آله تغلّبا ومكرا، ليتيسّر لهم ذكره جهرا بلا خوف من أهل البلد، وإفهام بعضهم بعضا في مواضع الحاجة ، يحصل لمن سمع منهم ذلك اللفظ الانتقال بلا شبهة انتقالَ من سمع لفظ «فلان» مع القرائن الرافعة للجهالة من جهة اشتراك الاسم بلا تفاوت ، ومن هذا الباب لفظ «خدا» في الفارسيّة و«تارى» في التركيّة .
وليعلم أنّ الغرض جواز كون الجلالة عَلَما ، لا أنّه عَلَم ابتدائي البتّة ، وليس من الأعلام المقاليّة التي هي في الأصل مشتقّات ، وسيجيء الكلام في ذلك في حديث هشام وقوله : «اللّه ممّا هو مشتقّ» .
هذا ، وقال المحقّق الشريف عند تعريف الفاضل التفتازاني في المطوّل للعَلَم بأنّه ما وضع لشيء مع جميع مشخّصاته : إنّه يخرج عن هذا التعريف الأعلامُ الجنسيّة ، ولا يجاب بأنّها موضوعة للمهيّة مع جميع مشخّصاته الذهنيّة ؛ لاستلزامه امتناع إطلاقها على الأفراد الخارجيّة ، بل بأنّ عَلَميّتها تقديريّة لضرورة الأحكام ، والمقصود تعريف الأعلام الحقيقيّة . ۱
قوله : (المحمودِ لنعمته) .
المقصود أنّ اللّه تعالى مالك لصفة المحموديّة ومستحقٌّ لها ، حَمِدَه العباد أوّلاً،وذلك لفشوّ نعمته في كلّ ذرّة من ذرّات العالم ، إن لم يحمده لسان مقال بعضٍ كفرانا للنِّعمة أو فقدانا للآلة ، فهم حامدون بلسان الحال في جميع الأحوال ، وما أحسن ما قال (نظم) :
بذكرش هر چه بينى در خروش استدلى داند ازين معنى كه گوش است
نه تنها بلبلش تسبيح خوانيستكه هر خارى بتسبيحش زبانيست
«وَ إِن مِّن شَىْ ءٍ إِلَا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ»۲ .
وليعلم أنّ الحمد الذي منّا معاشرَ الممكنات إنّما هو على حسب طوقنا ، وأمّا إنّه يليق بحضرته فكلّا ، بل الحامد لنفسه على الوجه اللائق به هو نفسه ، وجميع الموجودات محامده ؛ لأنّها شرح حسنه وكماله ، وهو المظهِر لها من كتم العدم، وليس فعل الحمد إلّا إظهار كمالات المحمود ؛ سُبحانك لا اُحصي ثناءً عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك .
واختلفوا في المحمود عليه ، فظاهر الكشّاف أنّه الجميل مطلقا. ۳ وقال السيّد الشريف في حواشيه : «أراد بالجميل الفعل الجميل» ثمّ قال : «وإذا خصّ بالأفعال الاختياريّة لزم أن لا يُحمد اللّه تعالى على صفاته الذاتيّة كالعلم والقدرة والإرادة ، سواءً جعلت عين ذاته أو زائدة عليها ، بل على إنعاماته الصادرة عنه باختياره». ۴
أقول : ربّما يستدلّ على أنّ الصفات الذاتيّة غير داخلة في المحمود عليه بقول سيِّد الساجدين عليّ بن الحسين عليهماالسلامحيث قال في دعاء الحمد :
«والحمدُ للّه بكلّ ما حَمِدَه به أدنى ملائكتِهِ إليه ، وأكْرَمُ خَليقَتِهِ عليه ، وأرضى حامِديه لَدَيْه ، حمدا يَفْضُلُ سائرَ الحَمْدِ كَفَضْلِ ربِّنا على جميع خَلْقِه ، ثمّ له الحمدُ مكانَ كُلِّ نعمةٍ له علينا وعلى جميعِ عِبادِهِ الماضينَ والباقينَ، عَدَدَ ما أحاطَ به عِلْمُه من جميع الأشياء ، ومكانَ كُلِّ واحدةٍ منها عَدَدُها أضعافا مضاعفةً أبدا سرمدا إلى يوم القيامة» . ۵
وجه الاستدلال : أنّه عليه السلام اقتصر في ذكر المحمود عليه على كلّ نعمةٍ له تعالى علينا وعلى جميع عباده الماضين والباقين ، ولم يتعرّض لأسمائه الحسنى وصفاته العليا ، والحال أنّ المقام مقام الإغراق والاستغراق .
1.الإسراء (۱۷) : ۴۴ .
2.المطوّل بحاشية الشريف، ص ۷۱.
3.الكشّاف ، ج ۱ ، ص ۴۵ .
4.الحاشية على الكشّاف للشريف الجرجاني ، ص ۴۶ .
5.الصحيفة السجّاديّة ، ص ۲۸ ، الدعاء ۱ .