53
الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1

قوله : (الدائم الذي به قوامُها) .
دوامه تعالى مرجعه الوجوب الذاتي وامتناعُ سبق العدم ولحوقه ، لا ما توهّم من استمرار الوجود في الزمان الموهوم ، فإنّه محض اختراع الوهم ، والداعي إليه إنّما هو الاعتياد بالزمانيّات . وفي الخطبة التي سبق نقلها من كتاب العيون : «واحد لا من عدد، ودائم لا بأمد» .
وفي توحيد الصدوق في خطبة الرضا عليه السلام حين قال له بنو هاشم : يا أبا الحسن، اصعد المنبر ، وانصب لنا علما نعبد اللّه عليه : «سبق الأوقاتِ كونُه ، والعدمَ وجوُده ، والابتداء أزله». ۱
والقوام ـ بالكسر ـ : نظام الأمر وعماده وملاكه ؛ كذا في القاموس . ۲ وفيه : «مَلاك الأمر ـ ويكسر ـ : قوامه الذي يُملَكُ به» . ۳
وفي الأساس من المجاز : «هذا ملاك الأمر : قوامه وما يملك به ، والقلب ملاك الجسد » انتهى . ۴
وفي هذه الفقرة إشارة إلى ما ذهب إليه أهل الحقّ من أنّ العالَم وكلّ جزء منه محتاج إليه تعالى في قوام ذاته وما يتبعها من صفاته في كلّ آن ، وليس كالبناء الذي يقوم بنفسه في الظاهروإن فنى الباني ، كلّا «إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَـوَ تِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ»۵ بل نسبتها إليه سبحانه كنسبة المهيّة إلى الوجود في الاحتياج إلى الكون ، بل لا نسبة بين النسبتين لو كشف الغطاء من البين ، وما ذكروا من المثال تقريبٌ للأفهام ، وتعبيرٌ عن غاية الاحتياج ، ولقد أحسن من قال :

ارتباطى برتر از وهم وقياسهست ربّ الناس را با جان ناس
قوله : (لا يؤودُه حفظها) .
اقتباسٌ من قوله تعالى : «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ اْلأَرْضَ وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما»۶ .

1.التوحيد للصدوق ، ص ۳۴ ، ح ۲ .

2.القاموس المحيط ، ج ۴ ، ص ۱۶۸ (قوم) .

3.القاموس المحيط ، ج ۳ ، ص ۳۲۰ (ملك) .

4.أساس البلاغة ، ص ۶۰۴ (ملك).

5.فاطر (۳۵) : ۴۱ .

6.البقرة (۲) : ۲۵۵ .


الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
52

ومن سياق هذين الحديثين يستفاد أنّ ذكر «فاستعلى» بعد «علا» لبيان كمال العلوّ ، فيكون مبنيّا على أنّ زيادة المباني لزيادة المعاني ، والفاء للتعقيب ، كأنّه قيل: «ارتفع»، ثمّ بالغ في الارتفاع .
ويؤيّد ذلك كلام صاحب القاموس حيث قال : «علا النهار : ارتفع ، كاعتلى واستعلى» . ۱قوله : (الذي لا بَدْءَ لأوّليّته ـ إلى قوله ـ : وبحكمته أظْهَرَ حُجَجَه على خَلْقِه) .
البدء ـ بالهمزة وفتح الباء وسكون الدال ـ مصدر بدأت به، كما في الصحاح ۲ ، والمراد هنا الحاصل بالمصدر ، وكلّ موجود ليس موجودا بذاته لذاته فهو موجود بغيرٍ ليس هو في مرتبة ذلك الغير ، فهو إذن حادث ؛ إذ وجوده بعد تلك المرتبة، ومسبوق بعدمه في المرتبة ،فإذا اُطلق على هذا الموجود بالغير «أوّلٌ» فإنّما أوّليّته بالقياس إلى ما بعده ، لا على الإطلاق ، وأوّليّة ذلك الغير قبل أوّليّته ، بخلاف الموجود لذاته ، فإنّ أوّليّته لابدء لها .
قوله : (ولا غايةَ لأزليّته) .
الأزل في الأوهام العاميّة هو أقاصي الامتداد الزماني في جانب الماضي ، ولا محيص له من علّة ، فله غاية بَتَّةَ ، والمقصود أنّ أزليّته ليست بالمعنى المفهوم للعامّة ؛ ولذلك انتفى عنها لازمه .
وفي كتاب عيون الأخبار في باب ما جاء عن الرضا عليه السلام في أمر التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة طويلة : «تحيّرت العقول عن إحاطة ذكر أزليّته» . ۳
وفي توحيد الصدوق رضى الله عنه في خطبة أمير المؤمنين عليه السلام : «إن قيل : كان ، فعلى تأويل أزليّة الوجود ، وإن قيل : لم يزل ، فعلى تأويل نفي العدم» . ۴

1.القاموس المحيط ، ج ۲ ، ص ۱۷۲۲ (علو).

2.الصحاح ، ج ۱ ، ص ۳۵ (بدأ).

3.عيون أخبار الرضا، ج ۱ ، ص ۱۲۱ ، ح ۱۵ ؛ التوحيد للصدوق ، ص ۶۹ ، ح ۲۶ ، وفيهما : «تحيّرت الأوهام» بدل «تحيّرت العقول» .

4.التوحيد للصدوق ، ص ۷۲ ، ح ۲۷ . وهو في الكافي ، ج ۸ ، ص ۱۸ ، ح ۴ .

  • نام منبع :
    الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : الدرایتی، محمد حسین
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 166548
صفحه از 637
پرینت  ارسال به