69
الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1

كلّ ممكن يسأله بلسان خصوصيّته التي بها كان ممكنا خاصّا ، ولا تتوقّف إلّا على عدم المنافاة للحكمة الكاملة ، وعدم المعاداة للعزّة القاهرة ، فكلّ ما يتحقّق من كلِّ ـ خيرا كان أو شرّا ، طاعةً كانت أو معصيّةً ـ فهو ممّا استدعاه وسأله من القادر الحكيم في مرتبة الإمكان والمقدوريّة بلسان خصوصيّة ذاته ، وتحقّقها كاشف عن موافقتها للحكمة التي لا يعلم كنهها إلّا اللّه .
وقد قلت في بعض قصائدي (شعر) :

تعبير تو از حكمت حقّ مرجعش اينستكان علم بأطوار و شؤونات خدائيست
ومن بديع حكمته وعظيم قدرته أن خلق من الممكنات ممكنا من خصوصيّته الذاتيّة الشوق إلى اختيار الإيمان على الكفر إذا وقع بين داعييهما ، وممكنا آخَرَ من خصوصيّته الذاتيّة الشوق إلى الكفر ، ولا تستبعد كلَّ الاستبعاد أن يكون الذاتان مختلفين بالنوع ، ليت شعري ما الذي أفادك اليقينَ بأنّ الحيوان الناطق نوع حقيقي ، ولا يمكن أن يكون في نفس الأمر إضافيّا متحصّلاً نوعين بفصلين لم يخطرا بالبال ؟! وأنّى لك ولمثلك أن تحيط بجميع أجزاء المهيّة ؟! وما الذي آمنك أنّ الذي اشتهر أنّه فصلٌ أخير ليس فصلاً مقسّما؟! وكأنّه لم يقرع سمعك ما اعترف به الرئيس في رسالة الحدود من خروج تحقيق أجزاء المهيّة والتمييز بين الذاتيّات والعَرَضيّات عن طوق البشر ؛ «أطرِقْ كرا، أطرقْ كرا، إنّ النّعام في القُرى» . ۱
محصّل الكلام أنّ السعداء والأشقياء متمايزون في الذوات والطينات في مرتبة الإمكان والمقدوريّة ، وثَمَّ ثبتت الطاعة والمعصية ، لا يستطيع هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء ، ولا هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء ، لا تتبدّل مقتضياتهم الذاتيّة .

1.مَثَلٌ يضرب للمعجب بنفسه ؛ أو مَثَل يضرب لمن يخدع بكلام لطيف له، و يراد به الغائلة ؛ أو يضرب لمن يتكلّم عنده بكلام فيظنّ أنّه هو المراد بالكلام ، أي اُسكت فإنّي اُريد من هو أنبل منك و أرفع منزلة ؛ أو يضرب للرجل الحقير إذا تكلّم في الموضع الذي لايشبهه و أمثاله الكلام فيه ، فيقال له : اُسكت فإنّ الأجلاّء أولى بهذا الكلام منك . الصحاح ، ج ۴ ، ص ۱۵۱۶ ؛ لسان العرب ، ج ۱۵ ، ص ۲۲ ؛ تاج العروس ، ج ۱۳ ، ص ۲۹۵ (طرق)؛ وج ۲۰ ، ص ۱۲۳ (كرو) .


الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
68

والتكذيب ، ثمّ تيسير أسباب الاستبصار لبعض منهم ، مثل أن يوفّقه لصحبة الأخيار وخلطة العلماء الأبرار ليستمع منهم دلائل قاطعة وبراهين ساطعة ، وهذا التيسير هو تتميم إيمان ذلك المُعار .
وأمّا سلب إيمان بعضٍ آخَرَ منهم فبأن يَكِلَه إلى نفسه ، فيخالط الأشرار ، ويعاشر الفجّار ، فيدعوه إلى ضلالتهم فيقبل منهم ، وهذا الوكول المفضي بالموكول إلى مخالطة المضلّين وإلى القبول منهم إنّما هو لأنّه كان في مرتبة المقدوريّة والإمكان ذا خصوصيّة بها كان ممكنا خاصّا ، وبسبب تلك الخصوصيّة كان مُعرضا عن ذكر الرحمان ، وقد قال اللّه تعالى : «وَ مَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَـنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَـنًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ»۱ .
وكلا الأمرين ـ أعني تيسير أسباب الاستبصار ، والوكول المستتبع لمخالطة المضلّين الأشرار المستعقب للجحود والإنكار ـ قد تحقّقا من اللّه تعالى بالنسبة إلى جماعة اتّبعوا أمير المؤمنين عليه السلام بعدما بويع بالخلافة بزعم أنّ إمامته إنّما تحقّقت بالبيعة دون النصّ من اللّه ورسوله ، فسلب اللّه إيمان بعضهم ـ وهم الناكثون والمارقون الذين ارتدّوا على أعقابهم، وحاربوه عليه السلام بعد أن بايعوه وأقرّوا بإمامته ، فصاروا بذلك الإقرار في عِداد المؤمنين الظاهريّين ، ثمّ سُلبوا الإيمانَ بمحاربته ، فدخلوا بذلك في الكفر ـ وتمَّم للباقين إيمانَهم وتصديقهم التقليدي ، بأن وفّقهم لأن يستمعوا منه عليه السلام خطبا جليلة مشتملة على حِكَم ومعارف تكشف غشاوة الجهل عن قلوب من سبقت لهم من اللّه الحُسنى ، وتجلو صدأ الريب ۲ عنها ، وهم الذين قاتلوا تحت لوائه عليه السلام على بصيرةٍ ويقين إلى أن استشهدوا ، فياليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما .
ومعنى مشيّة التتميم ومشيّة السلب هو العلم الذاتي بكون كلّ واحد منهما فيمن فُعل به هو الصواب الموافق للحكمة الكاملة ، المُنبئ عن كمال القدرة على إجابة سؤال

1.الزخرف (۴۳) : ۳۶ .

2.في حاشية النسخة : إنّ هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد ، وهو أن يركبها الرين بمباشرة المعاصي والآثام ، فيذهب بجلائه ، كما يعلو الصدأ وجه المرآة والسيف ونحوهما . النهاية [ج ۳ ، ص ۱۵ (صدأ)] .

  • نام منبع :
    الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : الدرایتی، محمد حسین
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 166391
صفحه از 637
پرینت  ارسال به