67
الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1

وهذان الحديثان صريحان في التربيع، كما هو مقتضى العقل الصريح .
وعبارة المصنّف من جهة وقوع مساهلة فيها توهم التثليث ، وهذه المطالب تستدعي بيان معنى المشيّة والإرادة والقضاء والقدر والسعادة والشقاوة ، وبيانَ أنّه من أين لحق الشقاء أهل المعصية حتّى حكم لهم في علمه بالعذاب على عملهم ، وسيجيء هذه المباحث في كتاب التوحيد إن شاء اللّه تعالى .
والذي يناسب ذكره هاهنا أن نقول : إنّ خلق النبيّين على النبوّة عبارة عن تيسيرها لهم بأسباب سماويّة فقط ، وخلق الوصيّين على الوصيّة بتيسيرها لهم بأسباب سماويّة مع مدخليّة نبيّ ، وخلق المؤمنين على الإيمان عبارة عن تيسير إيمان لهم ثابت مستقرّ كالنقش في الخاتم .
توضيح ذلك : أنّ الأشياء في مرتبة الإمكان والمقدوريّة ـ التي هي متقدّمة بالطبع على مرتبة الإيجاد ـ كانت معانيَ انتزاعيّةً منشؤها القدرة الكاملة ، وكان لكلّ واحد خصوصيّة حتّى يكون ممكنا خاصّا ، وبها تمام قوام ماهيّته الشخصيّة ، وكذلك لكلّ عدّة حتّى يكونوا نوعا خاصّا وصنفا خاصّا، فمنهم من كانوا باعتبار خصوصيّتهم بحيث إذا عُرض عليهم الإيمان تلقّوه بالقبول تلقّيَ الصَّدْيانِ ۱ لشربة ماء عذب بارد ، فتيسيرَ أسباب تحقّق ذلك منهم خلقٌ لهم على الإيمان ، والطينةُ الطيّبة ـ التي وردت في الأخبار ـ مابه قوام وجود تلك الخصوصيّة ، والطينةُ الخبيثة مقابلها ، وبهاتين كانت الأخيار والأشرار موجوداتٍ خاصّةً ، كما أنّهم بالخصوصيّات التي كانوا بها في مرتبة المقدوريّة ممكناتٌ خاصّةٌ ، وحديث الزرع الذي سبق كافٍ لاُولي الألباب في هذا الباب ، هذا .
وإعارة الإيمان عبارة عن تيسير متابعة الإمام الحقّ وتصديقه ، ولكن تصديقا تقليديّا يصلح أن يترقّى إلى درجة العلم واليقين ، وأن يتنزّل إلى مرتبة الجحود

1.الصديان من الصدى : شدّة العطش . وقيل : العطش . يقال : هو صَدٍ و صادٍ و صَديان ، والاُنثى: صديا . اُنظر : العين ، ج ۷ ، ص ۱۴۱ ؛ لسان العرب ، ج ۱۴ ، ص ۴۵۳ (صدى) .


الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
66

بالماء الملح الاُجاج الجاري بشدّة وغلبةٍ إلى الأرض السبخة من نهر قد اُحكم جانباه عن حدوث البثوق ؛ وشبّه تضييع الناس حدودَ الشريعة، وعدمَ مراعاتهم إيّاها بإيهان الشطّ بالتصرّفات الضارّة ، وعدم محافظته عن الانكسار والانثلام وحدوث البثوق ؛ وشبّه سريان تلك المذاهب الفاسدة في الخلق وفشوّها بينهم وفساد عقائدهم وأعمالهم بها بانبثاق ذلك الماء الملح الاُجاج على الأراضي المعمورة ، وتخريب ديارها ، واستيصال زروعها وأشجارها ، فاشتمل الكلام على المكنيّة والتخييل والترشيح .
ثمّ أسند ثانيا الانبثاق إلى نفس البثوق التي انفجر منها الملح الاُجاج على طريق «جرى النهر» و«سال الميزاب» فأضاف البثوق إلى الأديان إضافةً لاميّة .
ويحتمل أن يكون الانبثاق مسندا إلى ضمير الفتن المذكورة قبل ، بعد أن شبّهت بالملح الاُجاج، ويكون البثوق منصوبا بنزع الخافض ، مضافا إلى الأديان إضافةً بيانيّة؛ فتدبّر .
قوله : (وقد قال العالم) إلى آخره .
روى المصنّف ـ طاب ثراه ـ في كتاب الإيمان والكفر في باب المُعارين عن أبي الحسن عليه السلام قال : «إنّ اللّه خلق النبيّين على النبوّة ، فلا يكونون إلّا أنبياء ، وخلق المؤمنين على الإيمان ، فلا يكونون إلّا مؤمنين ، وأعار قوما إيمانا ، فإن شاء تمّمه لهم ، وإن شاء سلبهم إيّاه ». قال : «وفيهم جرت : «فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ»۱ » . ۲
وعن أبي عبداللّه عليه السلام قال : «إنّ اللّه عزّوجلّ جَبَلَ النبيّين على نبوّتهم فلا يرتدّون أبدا، وجَبَلَ الأوصياء على وصاياهم فلا يرتدّون أبدا ، وجَبَلَ بعض المؤمنين على الإيمان فلا يرتدّون أبدا ، ومنهم من اُعير الإيمانَ عاريةً ، فإذا هو دَعا وألحَّ في الدعاء مات على الإيمان». ۳

1.الأنعام (۶) : ۹۸ .

2.الكافي ، ج ۲ ، ص ۴۱۸ ، ح ۴ .

3.الكافي ، ج ۲، ص ۴۱۹ ، ح ۵ .

  • نام منبع :
    الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : الدرایتی، محمد حسین
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 166392
صفحه از 637
پرینت  ارسال به