والمراد بالاُمور القضائيّة كلّ الاُمور الاختياريّات منها وغير الاختياريّات ، والصفة موضحة ، وكفى لاُولي الألباب موضع التدبّر والتبصّر قوله تعالى : «وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِى أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُْمُورُ»۱ .
واعلم أنّه كما كان في الحكمة الكاملة خلق كلا النوعين : الأشرار والأخيار ، كذلك كان في الرحمة الشاملة التكفّل بأرزاق كلّ منهما ، ونهج السبيل إليها ، وإعطاء أسباب الانتفاع بها ، مثل آلات التغذّي والهضم ودفع الفضول وغير ذلك ممّا لا يكاد يحاط بعدّ ، وينتهى في إحصائها إلى حدّ ، وقد فصّل نزرٌ ۲ منها في كتب التشريح؛ «وَ إِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ»۳ .
ثمّ إنّه سبحانه لعظيم قدرته وبديع حكمته فعل ما فعل بممكنات خبيثة ذوات الانجليار من الإيجاد وتيسير بعض ما سألوه من حضرته بلسان خصوصيّات ذواتهم؛ لعدم منافاته للحكمة الكاملة ، ثمّ التكفّل بأرزاقهم والتفضّل بإعطاء ما يلائم حالهم من أسباب تحصيلها وأدوات الانتفاع بها إلى غير ذلك بممكنات خبيثة ذوات الإرادة فقط أيضا ، مثل الأفعى والعقرب والفأرة والبقّ والبرغوث والقُمّل والضفدع وسامّ أبْرَص ۴ وما يقع على الزرع والأشجار من الدِيدان المنتنة ، وسائر أصناف الهوامّ والحشرات ، وكثير من أنواع الحيوان مثل الخنازير والكلاب والذئاب وغيرها؛ لتكون معتبرا لاُولي الألباب ، ويروا عموم قدرته وشمول فضله وإحسانه لهذه الخبيثات الظاهرة الخباثة ، مع إباحة قتلها لمهانتها، وكونها ممّا في شأنه إيذاء خلق اللّه وإن لم يتحقّق الإيذاء بعدُ ، أو كانت أذيّته أقلَّ قليل بالنسبة إلى ما اُبيح به من إزالة الحياة التي هي ألذّ الأشياء ، كأذيّة القملة والذبابة ، فإذا شاهد اُولوا الأبصار أمثال هذه الخبائث، ورأوا أنّ خبثها الذاتي ـ
1.الأنفال (۸) : ۴۴ .
2.النَّزْر : القليل . لسان العرب ، ج ۵ ، ص ۲۰۳ (نزر) .
3.إبراهيم (۱۴) : ۳۴ ؛ النحل (۱۶) : ۱۸ .
4.سامُّ أبرصَ : ضرب من كبار الوزغ . كتاب العين ، ج ۷ ، ص ۲۰۶ ؛ لسان العرب ، ج ۱۲ ، ص ۳۰۴ (سمم) .