علم الأئمّة (ع) بالغيب و الاعتراض عليه بالإلقاء للنفس إلي التهلکة.. - صفحه 120

انتهت رسالة (عروض البلاء على الأولياء) ، ويبقى ممّا يرتبط بها أُمور :

الأوّل : إنّ المصنّف أراد تفصيل الإجابة عن إشكال الإلقاء في التهلكة ، ولكنّه لم يكتبه ، بل ترك له فراغاً كما عرفت ، وقد وفّقنا اللّه لذلك في هذه الدراسة .
الثاني : ممّا ذكر ـ في هذه الرسالة ، وفي المقالة ـ ظهر ما في كلام السيّد الطباطبائي رضى الله عنهحول علم النبيّ والأئمّة عليهم الصلاة والسلام بالغيب ، في رسالته المفردة عن الموضوع ، حيث قال بعد تفريقه بين علم اللّه وبين علم الأئمّة ، بالأصالة في الأوّل والاستقلالية به ، والفرعيّة في الثاني والتبعيّة به ، ما نصّه : «إنّ من المعلوم أنّ الإنسان الفعّال بالعلم والإرادة إنّما يقصد ما يتعلّق به علمه من الخير والنفع ، ويهرب ممّا يتعلّق به علمه من الشرّ والضرر .
فللعلم أثر في دعوة الإنسان إلى العمل ، وبعثه نحو الفعل والترك بالتوسّل بما ينفعه في جلب النفع أو دفع الضرر . وبذلك يظهر أنّ علم الإنسان بالخير ، وكذا الشرّ والضرر في الحوادث المستقبلة إنّما يؤثّر أثره لو تعلّق بها العلم من جهة إمكانها لا من جهة ضرورتها .
وذلك كأن يعلم الإنسان أنّه لو حضر مكانا في ساعة كذا من يوم كذا قُتل قطعا ، فيؤثّر العلم المفروض فيه ببعثه نحو دفع الضرر ، فيختار ذلك الحضور في المكان المفروض تحرّزا من القتل .
وأمّا إذا تعلّق العلم بالضرر ـ مثلاً ـ من جهة كونه ضروري الوقوع واجب التحقّق ، كما إذا علم أنّه في مكان كذا في ساعة كذا من يوم كذا مقتول لا محالة ، بحيث لا ينفع في دفع القتل عنه عمل ، ولا تحول دونه حيلة ، فإنّ مثل هذا العلم لا يؤثّر في الإنسان أمرا ببعثه إلى نوع من التحرّز والاتّقاء ، لفرض علمه بأنّه لا ينفع فيه شيء من العمل ، فهذا الإنسان مع علمه بالضرر والمستقبل يجري في العمل مجرى الجاهل بالضرر .
إذا علمت ذلك ثمّ راجعت الأخبار الناصّة على أنّ الّذي علّمهم اللّه تعالى من العلم بالحوادث لا بداء فيه ولا تخلّف ، ظهر لك اندفاع ما ورد على القول بعلمهم بعامّة الحوادث من : « أنّه لو كان لهم علم بذلك لاحترزوا ممّا وقعوا فيه من الشرّ ، كالشهادة قتلاً بالسيف ، وبالسمّ ؛ لحرمة إلقاء النفس في التهلكة » !
وجه الاندفاع : إنّ علمهم بالحوادث علم بها من جهة ضرورتها ، كما هو صريح نفي البداء عن علمهم . والعلم الّذي هذا شأنه لا أثر له في فعل الإنسان ببعثه إلى نوع من التحرّز ، وإذا كان الخطر بحيث لا يقبل الدفع بوجهٍ من الوجوه ، فالابتلاء به وقوع في التهلكة ، لا إلقاء في التهلكة ! قال تعالى : «قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ»۱ » ۲ .
أقول : وجوه النظر فيه عديدة ، هي :
1 ـ عدم فرضه أنّ ما وقعوا فيه ، ممّا عدّه الأغيار تهلكة وشرّا وضررا ، إنّما هو في اعتبار الأئمّة عليهم السلام خير وبرّ ورحمة ، كما هو عند الأخيار كافّة .
2 ـ فرضه أنّ ما جرى على الأئمّة من قبيل ضروري الوقوع ، واجب التحقّق ، وأنّه لا بداء فيه يقتضي الجبر؛ لعدم تمكّنهم من التخلّص منه ، وهو منافٍ لصريح الروايات الدالّة على اختيارهم لما وقع ، وأنّهم لو شاؤوا لم يقع .
3 ـ وفرضه أنّ العالم بالضرر يجري في العمل مجرى الجاهل ، ينافي إثبات العلم لهم ؛ فإنّه لو فُقد أثره لم يفرّق في ذلك في مقام العمل بينه وبين الجاهل ، فمحاولة فرضه وإثباته لغو لا محالة .
4 ـ وفرضه أنّ علمهم لا بداء فيه ، مخالف للنصوص الدالّة على أنّهم يختارون ذلك رغبةً في لقاء اللّه ورفضا للحياة الدنيا ، مع تخييرهم في ذلك .
5 ـ وفرضه أنّ ما جرى عليهم وقوع في التهلكة ، ينافي إصرارهم عليهم السلام على ما أقدموا عليه ورفضهم لكلّ أنواع التحذيرات والتوسّل بهم لدفعهم على الامتناع ، كما أعلنت عنها السيرة الشريفة لكلّ منهم .
6 ـ وأمّا استشهاده بالآية ، فغير مرتبط بالمقام ؛ لأنّها :
أوّلاً : في مقام تبكيت المنافقين الّذين قد أهمّتهم أنفسهم والّذين يظنّون باللّه غير الحقّ ظنّ الجاهلية . فأين هؤلاء من الّذين طلبوا الشهادة ، واستيقنت بها أنفسهم ، وأعلنوها « فوزا » مقسمين « بربّ الكعبة » ؟ !
وثانيا : إنّ ما دلّ من الأخبار الصحيحة ، والمشهورة ، والسيرة الموثوقة ، تخصّص الأئمّة عليهم السلام بكون موتهم باختيارهم كما عنون لذلك ثقة الإسلام الكليني في الباب الّذي عنونه بـ« أنّ الأئمّة يعلمون متى يموتون ، وأنّ ذلك باختيارهم » .
الثالث : ما يرتبط بالنكتة الّتي ختم بها الرسالة ، أقول :
ولذلك جعل اللّه لمن مات مهاجرا إلى اللّه ورسوله ـ في الحجّ ـ أجرا وقع على اللّه تعالى ، هذا إذا مات بغير اختياره ، فكيف إذا مات باختياره للموت ؟ !
ويلاحظ أنّ الوجوه الّتي ذكرها السيّد الخراساني قد وضعت بشكل فنّي من حيث تفاعل المؤمن بالإسلام معها ؛ لأنّها تعتمد على ربط الجوابات بالعقيدة :
* ففيها ما يرتبط بعقيدة التوحيد وصفات اللّه تعالى ، وأنّه في منتهى العظمة واستحقاقها ، وأنّه قادر حكيم ، وأنّه قدّر الأُمور بحكمته ، ومولويّته البالغة .
* وفيها ما يرتبط بالنبوّة وصدق النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم ، وأنّ دعوة الإسلام صحيحة ؛ لأنّ فداءها والواقفين في مقدّم صفوف المدافعين عنها هم أهل بيت النبيّ ، ولو كان دينا مزيّفا لوقف هؤلاء في المواقع الخلفيّة حتّى يستلذّوا من دنياهم وممّا زيّفوا ، ولكنّهم أثبتوا بتضحياتهم أنّ الدين حقّ ، وأنّهم لم يجيؤوا به ، ولم يحملوا رايته إلّا أداءً لواجب الرسالة والإمامة وحقّها . وهذا ممّا انفرد بذكره السيّد الخراساني .
وكذلك تصديق النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم الّذي أخبر متواترا بما يجري فيما بعده على أهل بيته ، فكان كما قال .
* وفيها ما يرتبط بالإمامة ، وأنّ الأئمّة أثبتوا إخلاصهم للّه وللنبيّ ولهذا الدين وحقّانيّته ، وأنّهم لم يطلبوا بالإمامة دنيا فانية ، وإنّما هو الحقّ الّذي أرادوا تحقيقه ، ولذلك ضحّوا بأنفسهم في سبيله .
* وفيها ما يرتبط بالعدل والمعاد ، إذ إنّ المظالم الّتي جرت على أهل البيت الطاهر لا بدّ أن يكون لهم بها مقابل وأجر ، والّذين قاموا بهذه المظالم ووطّدوا بها حكمهم في الخلافة والتذّوا بالحكم في دنياهم ، لا بدّ أن يحاسبوا ويجازوا على ظلمهم ، وقد ماتوا وهم مالكوا أرائكها ، أين يجدون جزاء ما جنوا بعد هذه الدنيا ؟ ! إنّ العدل والوجدان ، يقتضيان أن تقام محكمة تأخذ الحقّ وتحاكم العدوان وتنزل القصاص ، وتوصل المجرمين إلى الهوان ، وتعطي المظلومين حقوقهم .
وقد ملئت رسالة السيّد الخراساني بالمعاني الدقيقة والفوائد الجليلة والإفادات الروحية والعرفانيّة الرفيعة ، ممّا يزيد من روعتها وعظمتها العلميّة والروحيّة .

1.. آل عمران : ۱۵۴ .

2.. رسالة في علم النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم والإمام عليه السلام بالغيب للسيّد محمّد حسين الطباطبائي ، تحقيق رضا الأستادي ، طبع مع الرسائل الأربعة عشر ، جماعة المدرّسين ـ قمّ ۱۴۱۵ ه .

صفحه از 135