10 ـ وفي هذا العصر :
في مطلع القرن الخامس عشر الهجري ، وفي العقد الأخير من القرن العشرين ، حين هبّت رياح النصر الإلهي للأُمّة الإسلامية من خلال حركة دينية قادها الزعيم العظيم من سادة أهل البيت ، السيّد الورع التقيّ المجتهد المجاهد ، الإمام روح اللّه الخمينيّ ، فجدّد للإسلام رسمه واسمه وقوّته ، وأعاد إلى المسلمين ثقتهم بأنفسهم ، وصدّقوا بقدرتهم ، ووجدوا ذاتهم العظيمة بعد تياهٍ ويأسٍ وبؤسٍ وشقاءٍ فرضتها عليهم إيحاءات الغربيّين بالتخلّف والضعف والعجز ، والاستخفاف بالشرق وأديانه وأعرافه وأذواقه وتراثه !
فنفخ الإمام الخمينيّ في الأُمّة روح القوّة والوحدة والأُلفة والمجد والعزّة ، وأيّده اللّه تعالى بجنودٍ لم يرها المستعمرون الملحدون ، من شباب الأُمّة ومستضعفيها ، وممّن لم يحسب لهم الطواغيت حسابا ، فانتصروا بأيدٍ خاليةٍ من السلاح ـ سوى سلاح الإيمان ـ على أكبر دول المنطقة عمالةً وغطرسةً ، وأوسعها مساحةً وإمكانياتٍ ، وهي دولة « إيران » الشاه العميل ، والمرتمي في أحضان أمريكا ، والّذي جعل من بلده ترسانةً لأنواع الأسلحة الاستراتيجية .
كان هذا الانتصار العظيم بعد قرنٍ من سيطرة الغرب الكافر على أرض الإسلام ، من حدوده الشرقيّة إلى سواحله الغربيّة وبعد عملٍ دقيقٍ ودؤوبٍ وماكرٍ بالاستيلاء على كلّ مرافق الحياة الحسّاسة ، وقد سلّط عليها ـ من بعد ـ عملاءه .
لكنّ الأُمّة الإسلاميّة أصبحت من الرشد والوعي وبفضل أجهزة الإعلام الحديثة ، بحيث لا يخفى عليها ما يجري في أنحاء العالم كلّه ، وفي العالم الإسلاميّ بالذات ، فلا يخفى عليها دجل الدعايات الكاذبة الّتي تروّجها الوهّابيّة المنبوذة والسلفيّة الممقوتة والعلمانيّة الملحدة ، وكلّ الّذين وضعوا أيديهم أمس ـ أو يضعونها اليوم ، أو غدا ـ في أيدي الصهيونيّة الحاقدة على الإسلام والمسلمين !
إنّ الصحوة الإسلاميّة المجيدة والعودة الحميدة إلى الإسلام الّتي عمّت البلاد الإسلاميّة من الشرق إلى الغرب ، إنّما هي ثمرةٌ يانعةٌ من ثمار حركة الإمام الخمينيّ المقدّسة ، وإنّ الوعي الإسلاميّ العظيم لن تنطلي عليه أساليب الاستعمار وذيوله الماكرة ، والّتي بليت وتهرّأت في سبيل تشتيت كلمة المسلمين وتفتيت قواهم ، وإثارة الفتن والقلاقل ـ بالكذب والبهتان والتكفير ـ فيما بينهم .
لقد استخدموا هذه المرّة ـ وفي هذه الأيّام بالذات ـ عناصر من داخل الإطار الشيعيّ ، ببعث بعض المنبوذين من المنتمين بالاسم أو المواطنة أو الأُسرة ، إلى الإسلام ، ودفعهم إلى الكتابة باسم الشيعة ضدّ الثورة الإسلاميّة . ومن ذلك ما صدرأخيرا من إثاراتٍ تشكيكيّةٍ ضدّ عقائد المذهب وتراثه ومصادره وتاريخه .
عادوا إلى بثّ بذور النفاق والشقاق بين الطائفة الشيعيّة ـ العمود الفقري للحركة الإسلاميّة الجديدة ـ ليقصموا بذلك ظهرها ، ويخنقوها في مهدها ! وذلك بإثارة الشبه والدعايات المغرضة .
وممّا أثاروه تلك الشبهة البائدة القديمة ، وقد تولّى كبرها وإثارتها من يدّعي العقل ونقده سارقا لمجموعة من النصوص من هذا الكتاب وذاك ، ومراوغا في الكلمات والجمل والفصول ، زاعما أنّه اهتدى إلى هذه المشكلة وحلّها، وأنّه يقوم بقراءةٍ جديدةٍ للفكر الإسلاميّ والعقل الشيعيّ ! أو يصوغهما صياغةً جديدةً !
إنّ الشبهة هذه قد أكل الدهر عليها وشرب ، وقد أرهقها علماؤنا منذ القدم وفي مختلف العصور ردّا وتفنيدا ! فلم يكن في إثارتها في هذه الظروف ، إلّا لغرضٍ سياسيٍّ مشؤومٍ ولزلزلة التزام المؤمنين العقيديّ ، وفصل عرى الوحدة الإيمانيّة بينهم .
ولقد وفّقني اللّه ـ حمايةً للعقيدة ، ودفاعا عن الفكر الإسلاميّ ، وانتصارا لحركة الإسلام الجديدة ، وتزييفا لمثل تلك المحاولات اللئيمة ، وتحصينا لمعتقدات المؤمنين ـ أن أقوم بهذا الجهد المتمثّل في البحث عن أُصول المشكلة ، وتحديد محلّ البحث منها ، وعرض الأجوبة الموروثة منذ عصر الأئمّة عليهم السلام وحتّى اليوم .
والهدف ـ بعد نسف تلك الدعوى الّتي أثارتها أجهزة الكفر ، وإبطال ما توهّموه حلّاً لها ، والّذي هو الهدف من إثارتها ، وهو نفي علم الأئمّة بالغيب ! ـ هو إشباع المسألة بحثا وتنقيبا حتّى يقف المسلم على حقيقة الأمر وجليّته بكلّ أبعاده .
وقد توصّلنا من خلال ذلك إلى نتائج مهمّةٍ ، نلخّصها فيما يأتي من صفحات :