الأمر السادس :
ومن جميع ما ذكرنا ظهر عدم صحّة الاستدلال على نفي علم الغيب عن الرسول والإمام، بمحدوديّة وجودهما الّذي هو من الممكنات وعدم أزليّتها وعدم أبديّتها ، مع أنّ الغيب لا حدود له ، والمحدود لا يستوعب غير المحدود بحكم العقل ، ولذلك اختصّ « علم الغيب » باللّه تعالى الّذي لا يحدّ ؛ وذلك لأنّ محدوديّة النبيّ والإمام أمرٌ لا ريب فيه ولا شبهة تعتريه ، وكذلك اختصاص علم الغيب باللّه أمرٌ قد أثبتناه ، ولم ينكره أحدٌ من المسلمين ، كما ذكرناه .
لكنّ المدّعى أنّ اللّه تعالى أكرمهم وخصّهم بأنباءٍ من الغيب ووهبهم علمها ، فبإذنه وأمره علموا ذلك ، وأصبح ذلك لهم « شُهودا »، وإن كان لغيرهم « غيبا » محجوبا . وإنّما اختصّهم اللّه بذلك ؛ لقُربهم منه بالعمل الصالح والنيّة الصادقة ، وإحراز الإخلاص والتقوى منهم ، والجدّ في البذل والفداء عندهم .
ولم يُعطوا ذلك بالجبر والإكراه ، بل من جهة امتلاكهم للسمات المؤهّلة للوصول إلى الدرجات ، واستحقاق المقامات الّتي أثبتتها لهم الفتنة والابتلاء والامتحان، والمعاناة الطويلة الّتي قاسوها في مختلف مراحل وجودهم في الحياة .
إنّ أمر الاستبعاد والاستهوال لعلم الأئمّة بالغيب والشامل للماضي والحاضر والمستقبل ، سوف يهون إذا عُرف أنّه ليس بالاستقلال ، بل بواسطة الوحي الإلهي المنزل على قلب الرسول صلى الله عليه و آله وسلم ومن خلال الإلهام لآله الأطهار .
وقد استفاضت الأحاديث والأخبار والآثار الدالّة على كثير من ذلك ، حتّى عُدّت من « دلائل النبوّة » ومعاجز الرسالة ، وقد جمعتها كتب بهذا العنوان ، وتناقلتها الرواة ، ومُلئت بها الصحف .
فإذا اتّفقت عليه عقول السامعين لتلك الأخبار ، وشاهدتها عيون الشاهدين لتلك الأحداث ، واستيقنتها قلوب المؤمنين بالغيب وبالرسالة المحمّدية ؛ فماذا على ذلك من جحود عقلٍ خامدٍ ؟ !
وإذا بلغت الروايات الدالّة على « إنباء السماء بأنباء كربلاء » حدّ التواتر ، وذاعت وانتشرت حتّى رواها الشيعة وأهل السنّة ، وأثبتها المؤلّفون في كتب « دلائل النبوّة » كأبي نعيم والبيهقي ، حتّى عدّ من أعظم معاجز النبوّة وأهمّ ما يصدّقها ؛ فماذا عليها من عقلٍ واحدٍ أن يُنكرها ! ولا يصدّق بها ؟ !
هذا ما نقوله في الجواب عن الاعتراض الأوّل ، وحاصله ثبوت علم الغيب للنبيّ والإمام عليهم السلام من خلال الوحي والإلهام ، وهو الّذي التزم به جمهور علماء الإماميّة ، ولم نجد فيه مخالفا قطّ ، إلّا ظاهر من التزم بإثبات العلم بالإجمال ببعض الأُمور دون التفصيل ، وسيأتي نقل كلامه ومناقشته .
ومن هنا، فإنّ المحور الّذي سنتحدّث عنه إنّما هو حول الاعتراض الثاني ، وسنستعرض صيغه عبر القرون ، ونذكر أشكال الإجابة عنه .