أهل السنّة ومسألة « علم الغيب »
إنّ تفسيرنا لآيات الغيب الواردة في القرآن الكريم ، لم تنفرد به الشيعة الإماميّة ، بل التزم به كثيرٌ من علماء العامّة من أهل السنّة ، مفسّرين ، وفقهاء ، وعلماء كلام ، وغيرهم .
وقد ذكر العلّامة الحجّة المتتبّع السيّد عبد الرزّاق الموسوي المقرّم ، مؤلّف مقتل الحسين عليه السلام ۱ أقوالهم بهذا الصدد . وإليك ما نقله السيّد المقرّم بنصّه ومصادره :
قال ابن حجر الهيثمي [ وهو المكّي صاحب الصواعق المحرقة ] :
لا منافاة بين قوله تعالى : «قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ في السَمَوَاتِ والأرْضَ الغَيْبَ إِلَا اللّه »۲ ، وقوله : «عَالِم الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدَا»۳ ، وبين علم الأنبياء والأولياء بجزئيّات من الغيب ، فإنّ علمهم إنّما هو بإعلامٍ من اللّه تعالى ، وهذا غير علمه الّذي تفرّد تعالى شأنه به من صفاته القديمة الأزليّة الدائمة الأبديّة المنزّهة عن التغيير .
وهذا العلم الذاتي هو الّذي تمدّح به ، وأخبر ـ في الآيتين ـ بأنّه لا يشاركه أحدٌ فيه ، وأمّا من سواه ، فإنّما يعلم بجزئيّات الغيب بإعلامه تعالى . وإعلام اللّه للأنبياء والأولياء ببعض الغُيوب ممكنٌ ، لا يستلزم محالاً بوجهٍ ، فإنكار وقوعه عنادٌ .
ومن البيّن أنّه لا يؤدّي إلى مشاركتهم له تعالى فيما تفرّد به من العلم الّذي تمدّح به واتّصف به من الأزل . وعلى هذا مشى النووي في فتاواه ۴ .
وقال النيسابوري صاحب التفسير :
إنّ امتناع الكرامة من الأولياء عليهم السلام ، إمّا لأنّ اللّه ليس [ معاذ اللّه ] أهلاً لأن يعطي المؤمن ما يريد ! وإمّا لأنّ المؤمن ليس أهلاً لذلك ! وكلّ منهما بعيدٌ ، فإنّ توفيق المؤمن لمعرفته لمن أشرف المواهب ـ منه تعالى ـ لعبده ، فإذا لم يبخل الفيّاض بالأشرف ، فلأن لا يبخل بالدون أولى ۵ .
وقال ابن أبي الحديد :
إنّا لا ننكر أن يكون في نوعٌ من البشر أشخاصٌ يخبرون عن الغيوب ، وكلّه مستندٌ إلى الباري جلّ شأنه ، بإقداره وتمكينه وتهيئة أسبابه» ۶ .
وقال ابن أبي الحديد ـ أيضا :
لا مُنافاة بين قوله تعالى : «وَمَا تَدْرَي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدَا»۷ ، وبين علمه صلى الله عليه و آله وسلمبفتح مكّة ، وما سيكون من قتال الناكثين والقاسطين والمارقين ؛ فإنّ الآية ـ غاية ما تدلّ عليه ـ نفي العلم بما يكون في الغد ، وأمّا إذا كان بإعلام اللّه عزّ وجلّ ، فلا ، فإنّه يجوز أن يُعلم اللّه نبيّه بما يكون ۸ .
وفي عنوان « آية التهلكة » قال المقرّم : وقد أثنى سبحانه وتعالى على المؤمنين في إقدامهم على القتل والمجاهدة في سبيل تأييد الدعوة الإلهيّة . وذكر بعض آيات القتال في سبيل اللّه .
ولم يتباعد عن هذه التعاليم محمّد بن الحسن الشيباني ، فينفي البأس عن رجل يحمل على الألف مع النجاة أو النكاية ، ثمّ قال :
ولا بأس بمن يفقد النجاة أو النكاية إذا كان إقدامه على الألف ممّا يُرهب العدوّ ويُقلق الجيش » ، معلّلاً بأنّ هذا الإقدام أفضل من النكاية ؛ لأنّ فيه منفعةً للمسلمين ۹ .
ويقول ابن العربي المالكي :
جوّز بعض العلماء أن يحمل الرجل على الجيش العظيم طالبا للشهادة ، ولا يكون هذا من الإلقاء بالتهلكة ؛ لأنّ اللّه تعالى يقول : «مَنْ يَشْرِيْ نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللّه ِ . . .»۱۰ ، خصوصا إذا أوجب الإقدام تأكّد عزم المسلمين حين يرون واحدا منهم قابل الأُلوف» ۱۱ .
فإذن ، لم يمنع مانعٌ شرعيٌّ ولا عقليٌّ من إمكان علم البشر بالغيب في نظر هؤلاء ، وهذا ما يقوله الشيعة الإماميّة في النبيّ والإمام عليهم السلام .
والدليل على « علم النبيّ والإمام » بالغيب من طريق الوحي والإلهام ، هو ما أقاموه في الكتب الكلاميّة على وجوب مثل ذلك العلم لهما ، لتصدّيهما لمقام الرسالة في الرسول ، والإمامة في الإمام ، وهذان المقامان يقتضيان العلم ، فمن أقرّ للأئمّة بالإمامة ، فلا موقع عنده للاعتراض بالإلقاء إلى التهلكة ، كما أوضحنا في الأُمور الّتي قدّمناها . وكذلك من نفى عنهم علم الغيب ، لعدم التزامه بالإمامة لهم ، إذ على فرض ذلك لم يصدق في حقّهم « الإقدام » المحرّم .
وإثبات علمهم بالغيب ، مع نفي إمامتهم ، قولٌ ثالثٌ لم يقل به أحدٌ . نعم ، يمكن فرض علمهم بالغيب باعتبارهم أولياء للّه ، استحقّوا ذلك لمقاماتهم الروحيّة ، وقرباتهم المعنويّة ، وتضحياتهم في سبيل اللّه ، وإخلاصهم في العبادة والولاية للّه ـ بقطع النظر عن مقام الإمامة ـ وحينئذٍ يتساءل : كيف أقدموا على الموت والقتل ، وهم يعلمون ؟ ! فإنّ الأجوبة التالية الّتي نقلناها وأثبتناها في بحثنا هذا تكون مقنعةً لمثل من يقدّم هذا السؤال ، مع التزامه بهذا الفرض !
1.. هو العلّامة الفاضل ، والمتتبّع المحقّق ، والزاهد السيّد عبد الرزّاق بن محمّد . ولد من والدين شريفين ، وفي بيتٍ مزدان بالعلماء والصلحاء ، هاجر جدّ والده « السيّد أقسم بن حسّون » من مدينة « الحَسَكة » إلى مدينة النجف ، فولد السيّد عبد الرزّاق سنة ۱۳۱۶ه فيها .
نشأ في مكاتب العلم والمدارس الدينيّة ، وحضر في الدراسات العليا بحوث المجتهدين : الشيخ محمّد جواد البلاغي ( ت ۱۳۵۲ ه ) ، والسيّد أبو الحسن الأصفهاني ( ت ۱۳۶۵ ه ) .
ساهم مع أُستاذه البلاغي في نشر كتبه الّتي ناضل فيها عن شريعة الإسلام ، كالرحلة المدرسيّة ، والهدى إلى دين المصطفى . اختصّ بالشيخ محمّد حسين الأصفهاني ( ت ۱۳۶۱ ه ) في دروس الفلسفة والكلام ، وصحبه طويلاً ، وبرغبةٍ من السيّد نظم الشيخُ أُرجوزته « الأنوار القدسيّة » في المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام ، الّتي استأثرت بعواطف السيّد ، فكان يلازم تلاوتها ، ونثرها في مواضع من كتبه ، وبالخصوص مقتله .
أخرج الكثير من المؤلّفات القيّمة بقلمه الشريف ، وطبع منها بعض ما يتعلّق بالمعصومين عليهم السلام وشخصيّات علوية وإسلامية ، وأشهر مؤلّفاته مقتل الحسين عليه السلام الّذي يُعدّ من أغنى المقاتل مادّةً ، وأفضلها جمعا وترتيبا ، وقد حسم السيّد المقرّم فيه كثيرا ممّا كان عالقا من البحوث والقضايا التاريخية والنسبية .
وكان السيّد المقرّم عالما ، شريفا ، شديد الغيرة على الدين والحقّ ، لا تأخذه في اللّه لومة لائم ، يثار غيظا إذا وجد مخالفةً أو فسادا أو استهتارا بالموازين والقيم ، وكان مهيبا زاهدا .
التقيتُ به مرّات عديدة، فكان يبعثُ فيّ روح الهمّة والجدّ ، والتسابق في درجات العلم والعمل ، وكان كثير الترحاب بكلّ الشباب من أهل العلم ، تمتلئ نظراته بالأمل والتوقّع أن نسعى ونستعدّ لخوض معارك العلم والعقيدة ، وكان يؤكّد بكلامه اللطيف ما كان عليه الآباء والأجداد من مقدّمات عالية في العلم والتحقيق ، والورع والتقوى ، ويستحثّ اللحوق بهم ، مشفعا ذلك بالدعاء والبركة ، متبعا حديثه بابتسامة ظريفة . وقد كنتُ حين ألتقيه أرجعُ بنفسٍ مليئةٍ بالعزيمة ، متطلّعةٍ إلى العمل ، توّاقةٍ إلى العلم .
وهكذا كان السيّد المقرّم يسعى في سبيل الأهداف الكبرى الّتي واصلها ، تبعا للأئمّة عليهم السلام في النضال والتربية والتعليم بلسانه وقلمه وقدمه وإقدامه .
توفّي في النجف الأشرف سنة ۱۳۹۱ه ، تغمّده اللّه برحمته وأثابه فضله وبرّه وخيره ، ورفع درجته . وقد ترجم له ولده السيّد محمّد حسين ، في مقدّمة مقتل الحسين عليه السلام ترجمة ضافية استفدنا منها . ولم أرسم في خطّة بحثي هذا التعرّض لكلمات العامّة ، إلّا أنّي لمّا اطّلعت على ما كتبه السيّد المقرّم في مقتل الحسين عليه السلام عن هذا البحث ، وهي كتابة ثمينة ومفصّلة تقع في الصفحات ۴۴ ـ ۶۶ ، بالعناوين التالية : « الإقدام على القتل » ، و « آية التهلكة » ، و « علم الحسين بالشهادة »، أودع فيها ما ملخّصه :
إنّ علم الأئمّة عليه السلام إنّما هو فيضٌ اختّصهم اللّه ُ به؛ لاستحقاقهم ذلك بخلافتهم عن الرسول صلى الله عليه و آله وسلم وقيامهم بواجب الدعوة ، فاقتضى أن يكون لهم من العلم ما يؤدّون به حقّ الخلافة عن الرسالة الّتي كانت متّصلة بالوحي تنهل من علمه وتنعم بفيضه .
وأثبت علم الحسين عليه السلام بما آل إليه أمرُ نهضته ، ومن أبدع ما ذكره قوله : « وإنّما لم يُصالح بما عنده من العلم لكلّ مَن يرغبُ في إعراضه عن السفر إلى الكوفة ؛ لعلمه بأنّ الحقائق لا تفاضُ لأيّ متطلّبٍ ، بعد اختلاف الأوعية سعةً وضيقا ، وتباين المرامي قربا وبعدا ، فلذلك كان عليه السلام يجيب كلّ واحدٍ بما يسعه ظرفه وتتحمّله معرفته وعقليّته » (انظر : مقتل الحسين عليه السلام : ص ۶۶) .
وقد نقل السيّد المقرّم في بحثه بعض الأخبار ، وكلمات المفيد والعلّامة والبحراني ، مختصراً ، واقتصرنا هنا على نقل كلمات العامّة بواسطته تكريما له ، وتخليدا لذكره وتثمينا لجهده ، وليكون ذكرا منّا لفضله وخدماته الجليلة للدين والعلم وأهلهما .
2.. النمل : ۶۵ .
3.. الجنّ : ۲۶ .
4.. الفتاوى الحديثيّة : ص ۲۲۲ ، بواسطة مقتل الحسين عليه السلام للمقرّم : ص ۵۳ .
5.. النور السافر في أعيان القرن العاشر لعبد القادر العيدروس : ص ۸۵ .
6.. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج ۱ ص ۴۲۷ الطبعة الاُولى ـ مصر .
7.. لقمان : ۳۴ .
8.. شرح نهج البلاغة : ج ۲ ص ۳۶۲ .
9.. أحكام القرآن للجصّاص : ج ۱ ص ۳۰۹ في آية التهلكة .
10.. البقرة : ۲۰۷ .
11.. الأحكام لابن العربي : ج ۱ ص ۴۹ ، في آية التهلكة .