علم الأئمّة (ع) بالغيب و الاعتراض عليه بالإلقاء للنفس إلي التهلکة.. - صفحه 54

صيغ المشكلة وأجوبتها عبر العصور

1 ـ عصر الإمام الرضا عليه السلام ( ت 203 ه )

عُرضت المشكلة على الإمام أبي الحسن الرضا عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد عليه السلام ( ت 203 ه ) فيما رواه الكليني رحمه اللهفي الكافي كتاب الحجّة ، باب « أنّ الأئمّة عليهم السلام يعلمون متى يموتون ، وأنّهم لا يموتون إلّا باختيارٍ منهم » ، الحديث الرابع :
عليّ بن محمّد ، عن سهل بن زياد ، عن محمّد بن عبد الحميد ، عن الحسن بن الجهم ، قال : قلت للرضا عليه السلام : إنّ أمير المؤمنين عليه السلام قد عرف قاتله ، والليلة الّتي يُقتل فيها ، والموضع الّذي يُقتل فيه ، وقوله ـ لمّا سمع صياح الإوزّ في الدار ـ : « صوائح تتبعها نوائح » ! وقول أُمّ كلثوم : « لو صلّيت الليلة داخل الدار ، وأمرت غيرك يُصلّي بالناس » ، فأبى عليها ! وكثر دخولُه وخروجُه تلك الليلة بلا سلاحٍ ! وقد عرف عليه السلام أنّ ابن ملجمٍ لعنه اللّه قاتلُه بالسيف ! كان هذا ممّا لم يجُز ۱ تعرّضُه ؟ !
فقال : ذلك كانَ ، ولكنّه خُيّرَ۲في تلك الليلة ، لتمضيَ مقادير اللّه عزّ وجلّ۳.
والمستفاد من هذا الحديث أُمور :
الأوّل : إنّ المشكلة كانت مطروحةً منذ عهود الأئمّة ، وعلى المستوى الرفيع ، إذ عرضها واحدٌ من كبار الرواة، وهو الحسن بن الجهم بن بُكير بن أعين ، أبو محمّد الزُراري الشيباني ، من خواصّ الإمام الرضا عليه السلام ، وروى عن الإمام الكاظم عليه السلام وعن جمعٍ من أعيان الطائفة ، وقد صرّح بتوثيقه ، وله كتابٌ معروفٌ رواه أصحاب الفهرستات ، وله حديثٌ كثيرٌ في الكتب الأربعة ۴ ، وهو من كبار آل زُرارة ، البيت الشيعيّ المعروف بالاختصاص بالمذهب .
الثاني : إنّ علم الإمام ومعرفته بوقت مقتله ، وما ذكر في الرواية من الأقوال والأفعال الدالّة على اختياره للقتل وإقدامه على ذلك ، كلّها أُمور كانت مسلّمة الوقوع ، ومعروفة في عصر السائل .
الثالث : إنّ الراوي إنّما سأل عن وجه إقدام الإمام عليه السلام على هذه الأُمور ، وإنّه مع العلم بترتّب قتله على ذلك ، كيف يجوز له تعريض نفسه له ؟ وهو مضمون الاعتراض الثاني .
الرابع : إنّ جواب الإمام الرضا عليه السلام بقوله : « ذلك كان » تصديق بجميع ما ورد في السؤال من أخبار « علم الإمام » ، والأقوال والأفعال الّتي ذكرها السائل وعدم معارضة الإمام الرضا عليه السلام لشيءٍ من ذلك وعدم إنكاره ، كلّ ذلك دليل على موافقة الإمام الرضا عليه السلام على اعتقاد السائل بعلم الإمام بوقت قتله .
الخامس : جواب الإمام الرضا عليه السلام عن السؤال بتوجيه إقدام الإمام وعدم الاعتراض على أصل فرض علم الغيب ، دليلٌ على قبول هذا الفرض ، وعدم ثبوت الاعتراض الأوّل .
السادس : قول الإمام عليه السلام في الجواب : « لكنّه خُيِّرَ » صريحٌ في أنّ الإمام عليه السلام أُعطي الخيرة من أمر موته ، فاختار القتل لتجري الأُمور على مقاديرها المعيّنة في الغيب ، وليكون أدلّ على مطاوعته لإرادة اللّه وانقياده لتقديره ، وهذا أوضح المعاني ، وأنسبها بعنوان الباب .
وعلى نسخة « حُيّن » الّتي ذكرها المجلسي ، فالمعنى أنّ القتل قد عيّن حينُه ووقتُه ، لمقادير قدّر اللّه أن تُمضي وتتحقّق ، فتكون دلالة الحديث على ما في العنوان من مجرّد ثبوت علم الإمام بوقت قتله وإقدامه ، وعدم امتناعه وعدم دفعه عن نفسه ، وذلك يتضمّن أنّ الإمام وافق التقدير وجرى على وفقه .
وأمّا نسخة « حُيّر » فلا معنى لها ؛ لأنّ تحيّر الإمام ليس له دخل في توجيه إقدامه على القتل عالما به ، بل ذلك مناقض لهذا الفرض ، مع أنّه لا يناسب عنوان الباب ، فيكون احتمالها مرفوضا . ولعلّها مصحّفة عن « خُبِّرَ » بمعنى أُعلم ، فيكون الجريان على التقدير وإمضائه تعليلاً لإخبار الإمام وإعلامه ، لكنّه لا يخلو من تأمّل .
فالأولى بالمعنى والأنسب بالعنوان هو « خُيّر » كما أوضحنا ، فدلالة الحديث على ثبوت علم الإمام بوقت موته واختياره في ذلك ، واضحة جدّا .
وحاصل الجواب عن الاعتراض بالإلقاء في التهلكة : هو أنّ الإمام إنّما اختار الموت والقتل بالكيفيّة الّتي جرى عليها التقدير الإلهيّ ، حتّى يكشف عن منتهى طاعته للّه وانقياده لإرادته وحبّه له وفنائه فيه وعشقه له ورغبته في لقائه ، كما نُقل عنهم قولهم عليهم السلام : « رضا لرضاك ، تسليما لأمرك ، لا معبود سواك » .

1.. علّق محقّق الكتاب : في بعض النسخ « لم يحلّ » ، وفي بعضها « لم يحسن » .

2.. علّق المحقّق : في بعض النسخ « حيّر » بالحاء المهملة . وقد نقل المجلسي في مرآة العقول عن بعض النسخ : « حُيّن » .

3.. أُصول الكافي : ج ۱ ص ۲۵۹ ح ۴ ؛ مرآة العقول : ج ۳ ص ۱۲۳ ـ ۱۲۴ .

4.. معجم الأعلام من آل أعيَن الكرام : ص ۲۰۴ الرقم ۱۲ .

صفحه از 135