8 ـ عصر الشيخ البحراني ( ت 1186 ه ) :
المحدّث الشيخ يوسف بن أحمد بن إبراهيم آل عصفور الدرّازي البحراني .
قال أبو علي الحائري في منتهى المقال :
عالمٌ فاضلٌ ، متبحّرٌ ماهرٌ متتبّعٌ ، محدّثٌ ورعٌ ، عابدٌ صدوقٌ ، من أجلّة مشايخنا وأفاضل علمائنا المتبحّرين .
وقال الشيخ التستري في مقابس الأنوار :
العالم العامل ، المحقّق الكامل ، المحدّث الفقيه ، المتكلّم الوجيه ، خلاصة الأفاضل الكرام ، وعمدة الأماثل العظام ، الحاوي من الورع والتقوى أقصاهما ، ومن الزهد والعبادة أسناهما ، ومن الفضل والسعادة أعلاهما ، ومن المكارم والمزايا أغلاهما ، الزكيّ النقيّ التقيّ . . .
وقال المولى شفيع في الروضة البهيّة :
من أجلّاء هذه الطائفة ، كثير العلم ، حسن التصانيف ، نقي الكلام ، بصير بالأخبار المرويّة عن الأئمّة المعصومين صلوات اللّه عليهم أجمعين . . . وكان ثقةً ورعا عابدا زاهدا . . . من فحول العلماء الأجلّة .
وقال هو عن كتابه الدرر النجفيّة :
كتابٌ لم يُعمل مثله في فنّه ، مشتملٌ على تحقيقات رائقةٍ ، وأبحاثٍ فائقةٍ .
وقال الحائري في منتهى المقال :
كتابٌ جيّدٌ جدّا ، مشتملٌ على علوم ومسائل ، وفوائد ورسائل ، جامعٌ لتحقيقات شريفة ، وتدقيقاتٌ لطيفة ۱ .
فقد أورد في كتابه الدرر النجفيّة هذا الاعتراض ، وأجاب عنه بالتفصيل ، نورد ما يناسب ذكره هنا ، قال :
درّة نجفيّة : كثر السؤال من جملة من الأخلّاء الأعلام ، والأجلّاء الكرام عن الوجه في رضا الأئمّة عليهم الصلاة والسلام ، وإعطائهم بأيديهم لما أوقعه بهم مخالفوهم من القتل بالسيف أو السمّ ؟ حيث إنّهم عالمون بذلك ، لما استفاضت به الأخبار من أنّ الإمام عليه السلام يعلم انقضاء أجله ، وأنّه هل يموت بموت حتف أنفه ، أو بالقتل أو بالسمّ ! وحينئذٍ ، فقبوله ذلك وعدم تحرّزه من الامتناع ، يستلزم الإلقاء باليد إلى التهلكة ، مع أنّ الإلقاء باليد إلى التهلكة محرّم نصّا ، قرآنا ، وسنّة !
وقد أكثر المسؤولون من الأجوبة في هذا الباب ، بل ربّما أطنبوا فيه أيّ إطناب بوجوه لا يخلو أكثرها من الإيراد ، ولا تنطبق على المقصود والمراد . وحيث إنّ بعض الإخوان العظام ، والخُلّان الكرام سألني عن ذلك في هذه الأيّام ، رأيت أن أكتب في المقام ما استفدته من أخبارهم عليهم الصلاة والسلام .
فأقول : ـ وباللّه الثقة لإدراك المأمول وبلوغ كلّ مسؤول ـ : يجب أن يُعلم :
أوّلاً : إنّ التحليل والتحريم توقيفيّةٌ من الشارع عزّ شأنه ، فما وافق أمره ورضاه فهو حلالٌ ، وما خالفهما فهو حرامٌ . وليس للعقل ـ فضلاً عن الوهم ـ مسرح في ذلك المقام .
وثانيا : إنّ مجرّد الإلقاء باليد إلى التهلكة ـ على إطلاقه ـ غير محرّمٍ ، وإن أشعر ظاهر الآية بذلك ، إلّا أنّه يجب تقييده وتخصيصه بما قام الدليل على جوازه ، وذلك : فإنّ الجهاد متضمّن للإلقاء باليد إلى التهلكة ، مع أنّه واجبٌ نصّا وإجماعا . وكذلك الدفاع عن النفس والأهل والمال .
ومثله ـ أيضا ـ وجوب الإعطاء باليد إلى القصاص ، وإقامة الحدّ عليه ، متى استوجبه .
وثالثا : إنّهم صلوات اللّه عليهم في جميع أحوالهم وما يتعلّق بمبدئهم ومآلهم يجرون على ما اختارته لهم الأقدار السبحانيّة ، ورضيته لهم الأقضية الربّانيّة .
فكلّ ما علموا أنّه مختارٌ له تعالى بالنسبة إليهم ـ وإن اشتمل على غاية الضرر والبؤس ـ ترشّفوه ولو ببذل المهج والنفوس .
إذا تقرّرت هذه المقدّمات الثلاث ، فنقول : إنّ رضاهم صلوات اللّه عليهم بما ينزل بهم من القتل بالسيف والسمّ ، وكذا ما يقع بهم من الهوان والظلم على أيدي أعدائهم ، مع كونهم عالمين به وقادرين على دفعه ، إنّما هو لما علموه من كونه مرضيّا له سبحانه وتعالى ، ومختارا له بالنسبة إليهم ، وموجبا للقرب من حضرة قدسه والجلوس على بساط أُنسه .
وحينئذٍ ، فلا يكون من قبيل الإلقاء باليد إلى التهلكة الّذي حرّمته الآية ، إذ هو ما اقترن بالنهي من الشارع نهي تحريمٍ ، وهذا ممّا عُلم رضاه به واختياره له ، فهو على النقيض من ذلك .
ألا ترى أنّه ربّما نزل بهم شيءٌ من تلك المحذورات قبل الوقت المعدّ والأجل المحدّد ، فلا يصل إليهم منه شيءٌ من الضرر ، ولا يتعقّبه المحذور والخطر ؟ ! فربّما امتنعوا منه ظاهرا ، وربّما احتجبوا منه باطنا ، وربّما دعوا اللّه سبحانه في رفعه فيرفعه عنهم ، وذلك لمّا علموا أنّه غير مرادٍ له سبحانه في حقّهم ولا مقدّر لهم .
وبالجملة : فإنّهم صلوات اللّه عليهم يدورون مدار ما علموه من الأقضية والأقدار ، وما اختاره لهم القادر المختار .
ولا بأس بإيراد بعض الأخبار الواردة في هذا المضمار ليندفع بها الاستبعاد ، ويثبت بها المطلوب والمراد :
* فمن ذلك : ما رواه ثقة الإسلام ـ عطّر اللّه مرقده ـ في الكافي بسنده عن الحسن بن الجهم ، قال : قلت للرضا عليه السلام : إنّ أمير المؤمنين عليه السلام قد عرف قاتله ، والليلة الّتي يُقتل فيها ، والموضع الّذي يُقتل فيه [إلى آخر الحديث الّذي نقلناه سابقا] ۲ .
وأضاف بعده : وحاصل سؤال السائل المذكور أنّه مع علمه عليه السلام بوقوع القتل ، فلا يجوز له أن يعرّض نفسه له ؛ لأنّه من قبيل الإلقاء باليد إلى التهلكة ، الّذي حرّمه الشارع ؟ !
فأجاب عليه السلام بما هذا تفصيله وبيانه : إنّه ـ وإن كان الأمر كما ذكرت من علمه عليه السلام بذلك ـ لكنّه ليس من قبيل الإلقاء باليد إلى التهلكة الّذي هو محرّم ؛ لأنّه عليه السلام خُيّر في تلك الليلة بين لقاء اللّه تعالى على تلك الحال ، أو البقاء في الدنيا ، فاختار عليه السلام اللقاء على الوجه المذكور ، لمّا علم أنّه مختارٌ ومرضيٌّ له عند ذي الجلال .
كما يدلّ عليه قوله عليه السلام لمّا ضربه اللعين ابن ملجم ـ المُلجّم بلجام جهنّم وعليه ما يستحقّه ـ : « فُزْتُ ورَبِّ الكعبةِ » .
وهذا معنى قوله : « لِتمْضِيَ مقاديرُ اللّه ِ تعالى » ، يعني : إنّه سبحانه قدّر وقضى في الأزل أنّه عليه السلام لا يخرج من الدنيا إلّا على هذه الحال ، باختياره ورضاه بها .
* ومن ذلك : ما رواه في الكتاب المذكور عن عبد الملك بن أعين ، عن أبي جعفر عليه السلام [وذكر الحديث الثامن الّذي رواه الكليني ۳ ] .
* ومن ذلك : ما رواه ـ أيضا ـ عن أبي جعفر عليه السلام في حديثٍ قال فيه :
فقال له حُمران : جُعلت فداك ، أرأيت ما كان من أمر قيام عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين عليهم السلام وخروجهم ، وقيامهم بدين اللّه عزّ وجلّ ، وما أُصيبوا من قتل الطواغيت إيّاهم ، والظفر بهم حتّى قُتلوا وغُلبوا ؟ !
فقال أبو جعفر عليه السلام : يا حُمران ، إنّ اللّه تبارك وتعالى قد كان قدّر ذلك عليهم ، وقضاه ، وأمضاه ، وحَتمه ، على سبيل الاختيار ، ثمّ أجراه . فبتقدّم علمه إليهم من رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم قام عليٌّ والحسن والحسين ، وبعلمٍ صمت من صمت منّا .
ولو أنّهم ـ يا حُمران ـ حيث نزل بهم من أمر اللّه تعالى ، وإظهار الطواغيت عليهم سألوا اللّه تعالى أن يدفع عنهم ذلك ، وألحّوا عليه في طلب إزالة تلك الطواغيت وذهاب ملكهم ، إذا لأجابهم ، ودفع ذلك عنهم ، ثمّ كان انقضاء مدّة الطواغيت وذهاب ملكهم ، أسرع من سلكٍ منظومٍ انقطع فتبدّد .
وما كان ذلك الّذي أصابهم ـ يا حُمران ـ لذنبٍ اقترفوه ، ولا لعقوبة معصيةٍ خالفوا اللّه فيها ، ولكن لمنازل ، وكرامةٍ من اللّه أراد أن يبلغوها ! فلا تذهبنّ بك المذاهب فيهم ۴ .
أقول : وهو صريح في المطلوب ، على الوجه المحبوب ۵ .
ثمّ روى عدّة أحاديث تدلّ على أنّهم عليهم السلام امتنعوا من فعل ما يؤدّي إلى قتلهم ؛ لكون ذلك في غير الأجل المحدّد لموتهم ، ولم يختاروا ذلك إلّا في الوقت المقدّر ، حتّى يكون اختيارهم موافقا للقضاء ورضا به .
ويبدو من المقدّمة الأُولى والمقدّمة الثانية ممّا قدّمهما على الجواب ، أنّه يوافق المجلسي رحمه الله في كليهما .
ولعلّ لجوءه إلى هذا الأُسلوب من جهة ميله إلى استبعاد تحكيم العقل في مثل هذه القضايا الّتي هي أُمور خاصّة ، وليست كلّيات وثوابت عامّة حتّى يمكن للعقل التدخّل فيها ، كما أنّ ما ثبت من الشرع فيه حكمٌ وجاء منه توقيفٌ ، فليس للعقل إلّا التسليم وترجيح المصلحة الشرعيّة على مدركاته .
وهذا ـ كما أشرنا سابقا ـ نتيجةٌ كردّ فعل الّذي استحوذ على علمائنا الأخباريين على التطرّف الّذي انغمر فيه بعض العقلانيّين ، ممّن قصُرت يده عن علوم الشريعة ونصوصها ، فراح يجول ويصول في علوم الشريعة بجناح العقل وأدلّته ، وبنى الدين أُصولاً وفروعا وموضوعات خارجيّة وأُمورا واقعية ، وأحداثا تاريخيّة ، على مدركاته العقليّة .
مع أنّ من الواضح أنّ الأُمور التعبّدية ، وكذا الموضوعات الخارجيّة ، وكلّ الأُمور والحوادث والحقائق الشخصيّة وصفات الأئمّة عليهم السلام وما صدر منهم . . . إلى غير ذلك من الأُمور الخاصّة ليست مسرحا للعقل ، وإنّما طريقها الإثبات بالنقل .
والعقل النظريّ إنّما يدرك المعقولات العامّة الّتي ترتبط بالحقائق الكونية الثابتة، ولذلك يجب أن تكون مدركةً لجميع العقلاء ومقبولةً لديهم ، لا خاصّة بعقل طائفةٍ دون أُخرى ، ولا مبتنية على قضيّةٍ دون أُخرى .
أمّا العملي فهو يدرك حسن أمرٍ أو قبح آخر ، ولا يستتبع عملاً ، وإنّما للعالم أن يراعي مصلحته ويوازن فيه ما يخصّه بين ما يمسّه وبين ما يدركه العقل ، فيرجّح ما يناسبه . فالانسحاب وراء الخيالات الخاصّة بعنوان العقل ـ كما يفعله أدعياء العقل ونقده في عصرنا الحاضر ـ جهلٌ بأبسط المسائل العقليّة ، وهو مجال عمله .
1.. اعتمدنا في نقل هذه الكلمات على مقدّمة الحدائق الناضرة بقلم الحجّة المحقّق السيّد الطباطبائي .
2.. وهي الرواية الّتي نقلناها بنصّها تحت عنوان « في عصر الإمام الرضا عليه السلام » عن الكافي : ج ۱ ص ۲۵۹ .
3.. الّذي أوردناه سابقا في صفحة ۳۵ .
4.. أُصول الكافي : ج ۱ ص ۲۶۱ ـ ۲۶۲ .
5.. الدرر النجفيّة : ص ۸۴ ـ ۸۶ ، بتصرّف يسير .