9 ـ القرن الماضي مع السيّد الإمام الهادي الخراساني ( ت 1368 ه )
هو المجتهد الكبير ، والعلّامة النحرير ، فريد دهره ، ووحيد عصره ، قدوة العلماء المتبحّرين ، سيّد الفقهاء والمجتهدين ، عمدة العلماء العاملين ، ونخبة الأفاضل والمجتهدين ، ملاذ الأنام ، وثقة الإسلام ، سيّدُنا الأعظم سماحة آية اللّه العظمى السيّد الميرزا محمّد الهادي الحسيني الخراساني الحائري ، قدّس اللّه سرّه ۱ .
قال الشيخ محمّد حسن كُبّة ، في إجازته له :
السيّد السند ، والمولى الجليل المعتمد ، فخر المحقّقين ، وافتخار المدقّقين ، صفوة العلماء الكرام ، وعماد الفقهاء الأجلّة الفخام ، التقيُّ النقيُّ ، الطاهر الزكيُّ ، نتيجة الشرف الأقدم ، وسلالة سيّد الأُمم صلى الله عليه و آله وسلم .
وقال شيخ الشريعة الأصفهاني ( ت 1339 ه ) في إجازته له :
العالم العامل ، الفاضل الكامل ، أبو الفضائل والفواضل ، صاحب القريحة القويمة ، والسليقة المستقيمة ، والحدس الصائب ، والنظر الثاقب ، المستعدُّ لإفاضة نتائج المطالب من الكريم الفيّاض الواهب ، عمدة العلماء المحقّقين ، وزبدة الفضلاء المدقّقين ، العالم العلم العيلم ، الثقة الورع ، التقيُّ النقيُّ ، العدل الصفيُّ .
وقال السيّد مهدي الأصفهاني الكاظمي ( من تلامذته ) :
كان رحمه الله من أعاظم علماء الفقه والأُصول ، وأكابر فضلاء المقعول والمنقول ، وكان عارفا بالرجال ، والتاريخ ، والحديث ، والتفسير ، والعربية ، ماهرا في الفنون العقليّة والنقلية .
وقال الكاظمي في أحسن الأثر ۲ :
وأمّا مناظراته : فإنّه إذا صادف خارج ملّة أو مذهب ، فهو يفحمهم ويُلقمهم الحجر لا محالة ؛ لما عليه من عظيم المقدرة في علم المناظرة ، وزيادة إلمام بكلّ العلوم معقولها ومنقولها .
أمّا في المعقول : فإنّ له اليد الطولى في علم المنطق والحكمة والهيئة والرياضيات والكلام والفلسفة .
وأمّا في المنقول : فلقد برع فيه ، واجتهد ، وحاز السبق بها على معاصريه ۳ .
وفي عصر السيّد الخراساني في القرن الهجري الماضي (القرن الرابع عشر الهجري) خيّم شبح الاستعمار الغربيّ الملحد على البلاد الإسلامية ، ودنّس الغربيّون أرض الشرق الطاهرة بأرجلهم الدنسة ، وبدأوا بنفث سموم الفسق والإلحاد ، وبذر الشقاق والفساد في كلّ قطرٍ وبين كلّ العباد ، وحاولوا التفرقة بين أجزاء الوطن الإسلاميّ ، وقطع أوصال الأُمّة الإسلاميّة على أساس من الطائفيّة البشعة والعنصريّة المقيتة والنزاعات المفتعلة ، ونصبوا بينهم العداء؛ ليأكل بعضهم بعضا ، فلا تكون لهم وحدةٌ متشكّلةٌ ، ولئلّا تكون أُمّةً قويّةً متراصّةً .
وحاولوا تأجيج شرر التفرقة بين المذاهب الإسلاميّة الفقهيّة ، وتوسيع رقعة الخلاف بينها مهما أمكن ، وتكبير الخلافات الصغيرة ، وتأجيج النزاعات الحقيرة والقديمة ، كما حاولوا تأسيس مذاهب فقهيّة جديدة ، وإبراز فقهاء جدد ومجدّدين ! وسعوا في إثارة النزاعات والخلافات بين أهل المذهب الواحد ؛ لتّتسع رقعة الخلاف على راقعها ، ولقد جنوا على البشرية عامّة وعلى المسلمين خاصّة ، بهذه الأعمال جنايةً كبرى ، لكنّهم جنوا من أفعالهم تلك أنّهم استولوا على العباد والبلاد وخيراتها وتراثها وجمالها وحتّى عقولها ، وذهبوا بكلّ ذلك إلى بلادهم في شمال العالم الأرضيّ لتعيش بها شعوبهم ـ قرنا من الزمان ـ في رفاهٍ من العيش ورغدٍ ، وأمنٍ واستقرارٍ ، وهدوءٍ وقانونٍ ، على حساب عذاب ملايين من أفراد البشر في سائر أقطار العالم الجنوبيّة .
وقد وجدوا في المذهب الشيعيّ الاثني عشريّ طائفةً متماسكةً مؤمنةً بمبادئ الإسلام الحقّة ؛ لأنّها تعتمد على القرآن وأهل البيت ، الثقلين اللذين خلّفهما الرسول صلى الله عليه و آله وسلم بين أُمّته ، ووعدها أن لا تضلّ ما تمسّكت بهما ، وأنّهما لا يفترقان ـ أبدا ـ إلى يوم القيامة .
فكان الشيعة أقوى مذاهب الأُمّة يدا ، وأكثرها صبرا وجلدا ، وأوفاها للإسلام ، وأشدّها دفاعا عن القرآن ، وأعلاها نداءً بالوحدة الإسلاميّة ، وأكثرها سعيا للتقريب بين المسلمين . فلم يجد الاستعمار الغربي البغيض وأيديه العميلة إلّا السعي في تشويه سمعة هذه الطائفة بين المسلمين من جهةٍ ، والسعي في تشتيت وحدة الشيعة من جهةٍ أُخرى .
وقد أثاروا الشُبه بين عوامّ الشيعة ، والتشكيكات في المذاهب أُصولاً وفروعا ، ونبشوا التاريخ ليجدوا مثل هذه المشكلة « الاعتراض على علم الأئمّة بالغيب » فأثاروها ، رغبةً في أن توجد شقاقا في الطائفة الشيعيّة ، بالرغم من كونها شبهةً بائدةً قديمةً ، وقد أجاب عنها علماء الشيعة منذ عُصُور الأئمّة وإلى اليوم بأجوبة سديدةٍ قويمةٍ .
إلّا أنّ الغربيّين الحمقى وأذنابهم من السلفيّة والوهابيّة لا يهمّهم ذلك ، وليس همّهم إلّا التشبّث بكلّ ذريعةٍ ووسيلةٍ ـ ولو وهميّة ـ لإيقاع الفُرقة .
فانبرى السيّد الخراساني ( ت 1948 م ) للتصدّي لهذه الشبهة في رسالة « عروض البلاء على الأولياء » ، وقد ذكر فيها « عشرين وجها » من بنات أفكاره ومبدعات تحقيقاته ، وكما قال : « من دون مراجعة أو إرجاع إلى مصدر أو كتاب » . ونجد بعض الوجوه منها قد وردت في الأجوبة المذكورة فيما سبق من العصور ، وخاصّةً في الأحاديث الشريفة .
ومن المطمأنّ به أنّ ذلك كان في مخزون فكر السيّد على أثر مراجعته الواسعة للمصادر ، وخاصّة كتب الحديث الشريف . وقد يكون بعضها من توارد الأفكار ؛ لأنّ تلك الوجوه كلّها ، وخصوصا ما ورد في الأثر منها ، وجوه توافق الفطرة السليمة ويقف عليها صاحب السليقة المستقيمة ، كما أنّه يوافق كثيرا من الحقائق الراهنة في حياة الأئمّة الأطهار عليهم السلام وسيرتهم الكريمة .
والسيّد الخراساني هو من عرفناه ابن هذه السلالة ، وسائر على نهجهم ، ومتعمّق بالغور في علومهم ، وممتلئ مشبع بأفكارهم ومالك لأزمّة تراثهم ، فلا غرو أن يكون ما توصّل إليه موافقا لما ذكروه في النتيجة !
ورأينا من الأنسب أن نورد نصّ الرسالة هنا ۴ :
1.. هكذا ذكره المترجمون له ، لاحظ مصادر هذه الكلمات في سيرة آية اللّه الخراساني الطبعة الأُولى ۱۴۱۵ه ـ قمّ .
2.. ص ۳۶ .
3.. نقلنا هذه النصوص من كتاب سيرة الإمام الخراساني .
4.. اعتمدنا على النصّ المنشور بتقديمنا ، في نشرة تراثنا الفصلية العدد (۳۷) السنة التاسعة ، الصادر في شوّال سنة ۱۴۱۴ ، في الصفحات ( ۲۱۳ ـ ۲۴۴) .