الثامن عشر :
رضاهم وتسليمهم وتحمّلهم لها ، دليلٌ قاطعٌ على إيمانهم وكمال عقائدهم وقوّة يقينهم باللّه تعالى وبوعده ووعيده . ولولاها فلعلّ أحدا يحتمل أو أمكن أن يقول : إنّهم ظنّوا ولم يقطعوا، أو احتملوا فاحتاطوا ۱ !
لكنّ رزاياهم موجبةٌ لليقين بأنّ الحاصل لهم هو أعلى مراتب حقّ اليقين ، فيكون علمهم حجّةً على العالمين . وإنّ من لم يتيقّن فإنّما لضعفٍ في بصيرته ، فيجب عليه متابعة هؤلاء المتيقّنين المتّقين .
التاسع عشر :
ابتلاؤهم في الدنيا دليلٌ على المعاد ويوم الجزاء ، وإلّا فيلزم أعظم وهنٍ في صنع العالم ، لمخالفة الحكمة الواجبة ، ونقض ما يشاهد ويحكم به الحدس الصائب من إتقان الصنع على أحسن نظامٍ وأكمل وضعٍ وأجمل ترصيفٍ .
فيجب ـ بحكم نظام العالم ـ أن لا يضيع أجر المحسنين ، ولا يفوت جزاء الظالمين ، وبما أنّ ذلك ليس حاصلاً في الدنيا ، وجب ـ بالضرورة ـ أن يكون في الآخرة .
متمّ العشرين :
إنّ تحمّلهم للرزايا وشهاداتهم وقصر أعمارهم ، لطفٌ لهم ، وتقريب إلى الفوز بنعيم المعاد ، وتحصيل المراد ، من جهة دلالة ذلك على عدم قابليّة هذه الحياة ، ودناءة مرتبة الدنيا وعدم لياقتها ، وأنّها قنطرةٌ إلى الآخرة ، ولذا قالوا :
الدنيا ساعةٌ ، فاجعلها طاعةً .
فكأنّهم عليهم السلام برضاهم وتسليمهم بمنزلة من خيّره اللّه تعالى بين البقاء في الدنيا والرحيل ، فاختار الرحيل ، وأسرع عمدا ، وعانق الموت رغبةً عن الدنيا ، وشوقا إلى الآخرة ۲ .
وبهذا ۳ يجاب عن إشكال : إنّهم عليهم السلام إذا كانوا يعلمون بأوقات وفياتهم ، وأسبابها ، فلم لم يحترزوا عنها ؟ ! وكيف باشروها وحضروها مع قوله تعالى : «وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ»۴ ؟ ! ۵ .
وبذلك تعرف أنّ من فدى روحه في « الحجّ » بدل الأُضحية شوقا إلى لقاء اللّه ، فهو في أعلى مراتب القرب والقبول . لكن لا يليق ذلك بكلّ أحدٍ ، بل إنّما هو مشروطٌ بحصول اليقين الكامل والعشق الخارق ، أمّا مع عدم التهيّؤ وكمال الاستعداد ، ومع الشكّ والترديد ، فهو من أعظم المآثم .
والحمد للّه ربّ العالمين .
1.. استدلالٌ إنّيٌّ ظريف من المصنّف بنوعيّة المصائب الواردة على أهل البيت عليهم السلام بظروفها ومقارناتها وتحمّلهم لها ، على لزوم علمهم بها وتيقّنهم بنتائجها ، إذ أنّ الإقدام على تحمّل مثلها لا يكون على أساسٍ من الظنّ والاحتمال والرجاء والاحتياط ، بل خطورتها وفداحتها تقتضي اليقين والقطع . وهذه فائدة عظيمة ، ودلالة قطعيّة حكيمة .
2.. وقد ذكرت هذا في الروايات بعنوان : « اختيار لقاء اللّه » . . كما في حديث عبد الملك بن أعين ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : أنزل اللّه تعالى النصر على الحسين عليه السلام حتّى كان بين السماء والأرض ، ثمّ خُيّر النصر أو لقاء اللّه ، فاختار لقاء اللّه تعالى ( أُصول الكافي : ج ۱ ص ۲۶۰ باب أنّ الأئمّة عليهم السلام يعلمون متى يموتون ، وأنّهم لا يموتون إلّا باختيارٍ منهم ، الحديث ۸ ) .
3.. هذا إشارة إلى الوجه الأخير ، بل إلى الكتاب كلّه ؛ لأنّ الوجوه السابقة تصلح ـ أيضا ـ للإجابة عن هذا الإشكال ، وقد تقدّم كلام مفصّل تضمّن إجابة أوسع عن الإشكال ، فراجع .
4.. البقرة : ۱۹۵ .
5.. في مخطوطة المصنّف هنا بياض بمقدار نصف صفحة .