علم الأئمّة (ع) بالغيب و الاعتراض عليه بالإلقاء للنفس إلي التهلکة.. - صفحه 126

خلاصة البحث

1 ـ يعتقد الشيعة الإماميّة بأنّ علم الغيب ، بالاستقلال خاصٌّ باللّه تعالى ، بنصّ القرآن الكريم .
2 ـ ويعتقدون أنّ اللّه تعالى يُطلع النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم على الغيب بوسيلة الوحي أو الإلهام ، وهذا أيضا منصوصٌ عليه في القرآن الكريم ، ومذكورٌ في الحديث الشريف . وكذا الإمام يعلم ذلك بواسطة النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم .
3 ـ أجمعت الطائفة الإماميّة على أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم والإمام يعلمان ـ بإعلام اللّه وإطلاعه ـ الغيب ، سواءٌ في الأحكام أو في الموضوعات ، ويدخل في ذلك علمهم بأسباب موتهم والمصائب الجارية عليهم ، وما يرتبط بذلك من الزمان والمكان والفاعل ، علما تفصيليّا .
إلّا أنّ أفرادا خالفوا في خصوص « وقت القتل »، فاعتقدوا فيه بالعلم الإجمالي ، وعدم التحديد التفصيليّ ؛ حذرا من ورود الاعتراض التالي عليهم ، ويترتّب على القول بالتفصيل كونهم عليهم السلام مختارين في انتخاب الموت لأنفسهم . وقد دلّت على ذلك الأحاديث والآثار المنقولة .
4 ـ لقد اعترض المنحرفون والخارجون عن المذهب على الشيعة في أصل « علم الأئمّة بالغيب » ، واستدلّوا على ذلك بالآيات ، وبدليل العقل بمحدوديّة المخلوقين ، فلا يمكنهم الإحاطة بالغيب الّذي هو غير محدودٍ .
ورُدّ هذا الاعتراض: بأنّ اللّه تعالى نصّ في القرآن بأنّه يُطلع من يشاء من الرسل على الغيب .
وأمّا العقل ، فبأنّ ما ذكر من اللّازم ، إنّما يلزم على تقدير ادّعاء أنّ غير اللّه يعلم الغيب بالاستقلال وبنفسه ، وقد عرفت أنّ ذلك خاصٌّ باللّه تعالى ، ولا يشركه فيه أحدٌ من المخلوقات بشرا أو ملائكةً أو غيرهما . وإنّما نقول في مسألة علم النبيّ ـ ويتبعه الإمام بما يُطلعهما اللّه تبارك وتعالى عليه من مخزون علمه ، وبإرادته .
وقد استأثر اللّه لنفسه بكثيرٍ من العلوم، كعلم الساعة ووقتها ، وأمر الروح ، ولكنّه بفضله على أوليائه من الرسول والأئمّة عليهم السلام يُلهمهم علوما اختصّهم بذلك دون البشر ؛ كرامةً لهم وإعظاما لشأنهم .
وقد استثنى اللّه تعالى ذلك ممّا دلّ على حصر الغيب بنفسه ، في القرآن الكريم . فليس اعتقاد ذلك منافيا لمدلول تلك الآيات الّتي هي حقّ .
5 ـ ومع اعتقادنا بأنّ النبيّ والإمام يعلمان الغيب بإعلام اللّه ، ويطّلعان عليه بالوحي والإلهام ، فإنّ علمهما لا بدّ أن يكون محدّدا بحدود الوحي والإلهام والإعلام الإلهيّ وإطلاعه جلّ وعزّ لهما على ما يشاء من الغيب . وقد دلّت الأحاديث والآثار والنقول ـ المتواترة بالمعنى ـ على حصول علم الغيب لهم عليهم السلام في بعض القضايا والأُمور الماضية والمستقبلة .
وهذا في نفسه كافٍ لإبطال ما أُقيم من الشبه ـ في وجه هذا المعتقد ـ باسم الأدلّة العقليّة ، فلو تحقّق علمهم بالغيب بنحو الموجبة الجزئيّة ؛ انتقض الدليل على سلب ذلك كلّيا ، ونفيه بصورة عامّة .
لكنّ ذلك لا يستلزم الإثبات الكلّي ، إلّا إذا دلّ الدليل عليه ، كما وردت به الروايات والآثار العديدة ، وحيث لا مانع ـ شرعياً ولا عقليّاً ـ من الالتزام بها بعد كونها ممكنةً ، فلا نرى في الالتزام بمداليلها ومضامينها محذورا .
6 ـ وقد أُثيرت في وجه الالتزام بهذه الروايات والآثار والاعتقاد بعلم الغيب للنبيّ والأئمّة عليهم السلام « شبه »، من قبيل الحوادث التاريخيّة المنقولة في سيرتهم عليهم السلام والّتي تتضمّن قضايا ظاهرها عدم علم النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم والأئمّة عليهم السلام بالنتائج المترتّبة عليها .
مثل ما في قضيّة خالد بن الوليد وفعلته المنكرة في إحدى قبائل العرب ، الّتي قتل فيها جماعة من المسلمين ، ولمّا اطّلع الرسول على فعله تبرّأ منه وبعث من فداهم . فلو كان الرسول صلى الله عليه و آله وسلم علم ما سيفعله خالدٌ لما أرسله ، ولمنعه ولأبدله بغيره ؟ ! وكذلك تأمير الإمام عليّ عليه السلام زياد ابن أبيه ، الّذي أدّى بعد ميله إلى معاوية إلى فتكه بالشيعة ، فلو كان الإمام يعلم عاقبة أمره لما ولّاه ولما اعتمد عليه ؟ !
وقضايا أُخرى ظاهرها أنّ النبيّ والإمام كانا يظهران أسفهما على ما صدر منهما ، ممّا يدلّ على عدم علمهما بالنتائج !
أقول : إنّ هذه القضايا التاريخيّة لا يمكن الاعتماد عليها في بحث علم الغيب ؛ لكونها قضايا مبتورة لم تنقل بتفاصيلها الواضحة ، بل لا يعتمد على ناقليها الّذين ليسوا إلّا من كتّاب الأجهزة الحكومية ومؤرّخي السلطات ، والّذين يسعون إلى إخفاء حقائق كثيرة من كلّ ما يروونه ، فلم نعرف عنها تفصيلاً لكلّ جزئيّاتها وخصوصياتها ، ومع ذلك لا يمكن الحكم من خلالها على الرسول صلى الله عليه و آله وسلم ولا الإمام عليه السلام بشيء ما لم نعرف كلّ ظروفها ومجرياتها .
ثمّ إنّ النبيّ والإمام عليهماالسلام لم يكن بإمكانهما إبداء كلّ ما يعلمان والتصريح بكلّ شيء إلى من حولهما من الناس ؛ لاختلاف مقاماتهم في العقيدة والإيمان والالتزام والتصديق وقابلية الإدراك والتعقّل وسعة المعرفة وبعد النظر والتقوى والزهد في الشهوات ، ولذلك تجد اختلافا في الخطابات الصادرة إليهم حسب مستوياتهم ، فليس بإمكان النبيّ والإمام التصريح بكلّ الحقائق لكلّ السامعين ، وليس من المفروض أن يقبل جميع السامعين ما يسمعون ، وكذلك ليس كلّ الناقلين أُمناء فيما ينقلون .
ومع هذه الحقائق لم يبق اعتماد على مثل هذه القضايا المبتورة بحيث تُردّ به الأخبار والآثار المتظافرة الواردة عن علم الأئمّة عليهم السلام بالغيب ، وإن صحّت ، فالنبيّ والإمام عليهماالسلام مكلّفون أن يتصرّفوا ويتعاملوا مع الآخرين حسب ظواهر الأُمور والأسباب الطبيعيّة ، لا على أساس ما يعلمونه من الغيب .
إنّ من الغريب أن يحاول المغرضون مواجهة ما ورد من روايات علم الغيب بالإشكالات السنديّة ، ومعارضتها بمثل هذه القضايا الّتي لم تثبت حتّى بسندٍ ضعيفٍ ، وإنّما هي أخبارٌ تاريخيّةٌ لا يُعتمد على ناقليها في مجال القصص ، فضلاً عن مجال الأحكام والعقائد !
7 ـ وقد اعترضوا على علم الأئمّة عليهم السلام بالغيب أنّه يستلزم أن يكونوا قد أقدموا على إلقاء أنفسهم إلى التهلكة ؛ لأنّ خروجهم إلى موارد الخطر ـ مع علمهم بذلك ـ يلزم منه ما ذكر .
والإلقاء إلى التهلكة حرامٌ شرعا بنصّ القرآن الكريم ، وحرامٌ عقلاً ؛ لأنّه إضرارٌ بالنفس ، وهو قبيحٌ . مع أنّه لا ريب في قُبح ما أجراه الظالم على أهل البيت عليهم السلام بل هو من أقبح القبيح ، فكيف يُقدم الأئمّة العالمون بقبحه عليه ؟ !
وقد أُجيب عن ذلك بوجوه :
الجواب الأوّل : إنّ هذا الاعتراض إنّما يتصوّر ويُفرض بعد الاعتقاد بعلم الأئمّة للغيب ، أمّا لو أُنكر ذلك ولم يعتقد بعلمهم به ، فلا يرد الاعتراض ؛ لأنّه مع عدم العلم لا يكون الإقدام إلّا على ما يجوز ، وليس إلقاءً إلى التهلكة ، فلا يكون الاجتناب عليه واجبا ؛ لعدم التكليف بما لا يعلم ، ورفعه عمّن لا يعلم ، فلا يكون الاعتراض واردا .
ومع ذلك يُعلم أنّ الجمع بين الاعتراضين في الأسئلة الّتي وردت في هذا المجال وكذا الكتب الباحثة عنه ، إنّما هو مبنيّ على الجهل والغرض الباطل .
وكذلك نعلم أنّ الأسئلة إنّما يوجّهها غير الشيعة ويعترضون بها على الشيعة بفرض اعتقادهم في الأئمّة بعلم الغيب ، وأنّه على هذا التقدير يأتي الاعتراض بالإلقاء إلى التهلكة . ولكن إذا ثبت أو فُرض علم الأئمّة بالغيب ، فالجواب عن الاعتراض بما سيأتي من الوجوه الأُخر .
الجواب الثاني : إنّ الأئمّة إذا ثبتت إمامتهم بالأدلّة القطعيّة الواردة في كتب الإمامة ، فلا بدّ أن تتوفّر فيهم شروطها الّتي منها « العصمة » و « العلم بالأحكام الشرعيّة » ؛ لاقتضاء مقام خلافة الرسول صلى الله عليه و آله وسلم ذلك .
وحينئذٍ ، فالمعتقد بالإمامة يسلّم بأنّ الإمام لا يُقدم على فعل الحرام ، فلا يكون إقدامهم على ذلك من الإلقاء المحرّم ، ولا بدّ من الالتزام بأحد التوجيهات الآتية ، وأمّا غير المعتقد بالإمامة فلا يرى لزوما لأصل الاعتقاد بعلم الأئمّة ، فلا وجه في اعتراضه ؛ لأنّه لا يراهم مقدمين على ما يعلمون ! فهذا الاعتراض على كلا الفرضين غير وارد .
الجواب الثالث : إنّ درك العقل لقبح صدور ذلك من الظالمين لا يُنكر ، لكنّه لا يستلزم قبحا على المظلومين ؛ لعدم رضاهم بذلك وعدم تمكينهم ، وإنّما قاموا بما يلزمهم القيام به حسب وظائفهم وما يراد منهم ، وهو حكم عليهم من قبل اللّه تعالى ، فلا يكون إقدامهم على الأُمور الحسنة أو المباحة قبيحا بإرادة الظالم وفعله ، وكلّ من الظالم والمظلوم مكلّف ومحاسب على ما يقوم به حسب وظيفته ونيّته ، فالأعمال بالنيّات ، ولكلّ امرئٍ ما نوى .
الجواب الرابع : إنّ شمول « الإلقاء المحرّم » لإقدام الأئمّة عليهم السلام غير صحيح ، لا شرعا ولا عقلاً .
أمّا شرعا ، فإنّ الإلقاء إنّما يكون حراما إذا كان إلى التهلكة ، وليس الموت في سبيل اللّه تهلكة، وإنّما هو عين الفوز والنجاة والسعادة والحياة في نظر الأئمّة عليهم السلام وشيعتهم ، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام ـ لمّا ضُرب بالسيف على رأسه ـ : « فزتُ وربّ الكعبة » ، وكما قال الحسين عليه السلام : « إنّي لا أرى الموت إلّا سعادةً ، والحياة مع الظالمين إلّا برما » .
وأمّا عقلاً : فلِما مرّ من أنّ الحكم بحرمة الإلقاء إلى التهلكة ليس مطلقا ، بل إنّما هو ـ على فرض وروده ـ خاليا عن مصلحة وأدرك العقل قبحه ، ولا يكون حراما إذا كان فيه نفعٌ أهمّ وأعمّ ، وكان في صالح الإنسان المقدم عليه نفسه ، أو في صالح أُمّته أو دينه أو وطنه ؛ لأنّ العقل حينئذٍ يقدّم مصلحة الفعل على مفسدة القبح المدرك ، فلا يحكم بحرمته ولا يعاقب المقدم عليه ، بل يُثاب .
وعلى فرض وروده ، وإطلاق حكمه ، فهو ليس إلزاميّا إذا عارضته أحكام دينيّة وأغراض شرعيّة ومصالح عامّة إلهيّة ، وإنّما هو مجرّد إدراك وجداني يصادمه إدراك ضرورة وجدانيّة باتّباع الأحكام الدينيّة والإرادة الإلهيّة .
وأمّا المصالح الّتي ذكروها في الإقدام على الأخطار وعروضها على الأئمّة الأطهار ، فهي الوجوه التالية :
الأوّل : العمل بمقتضى القضاء الإلهيّ والقدر الربّاني والانصياع للإرادة المولوية ، الّتي يعلمها الأئمّة عليهم السلام . وقد ورد هذا الوجه في حديث للإمام الباقر عليه السلام وللإمام الرضا عليه السلام ، وذكره عدّة من العلماء الأبرار .
الثاني : اختيار لقاء اللّه تعالى على البقاء في الدنيا الفانية . وقد ورد في الحديث الشريف أيضا .
الثالث : التعبّد بأوامر اللّه تعالى بأن يقدّموا أنفسهم قرابين في سبيل الدين ، ويضحّوا بأرواحهم الطاهرة من أجل إعلاء كلمة الدين . ذكره الشيخ المفيد ، ونسبه الشيخ الطوسي إلى جمهور الطائفة ، وذكره جمعٌ من بعده كالعلّامة الحلّي وغيره .
الرابع : إنّ ما ترتّب على ذلك من المصالح الدنيويّة والمقامات الدائمة الأُخرويّة ، يتدارك بها ما فيها من الآلام الزائلة .
وهناك وجوهٌ أُخر ومصالح دقيقة عرفانيّة مستنبطةٌ من سائر أحوالهم وأقوالهم ، جمعها سماحة آية اللّه العظمى الإمام الخراساني في كتابه عروض البلاء على الأولياء ذكرناها مجملاً ، ولا نطيل هذا الملخّص بإعادتها .
وقد وفّقني اللّه تبارك وتعالى ، لإعداد هذا البحث في هذه الفترة العصيبة من تاريخ الإسلام والمذهب ، حيث يستهدف الكفر العالميّ الحضارة الإسلاميّة بأعنف الحملات الطائشة .
وكان دوري ـ بعد التجميع لنصوص الإجابات المعروضة في طول التاريخ ـ أنّي وضعتها في إطار قراءات تحليليّة يمكن من خلالها الوقوف على الأبعاد الدلاليّة والعقيديّة غير المنظورة .
وأسأل اللّه أن يتقبّل هذه الخدمة للحقّ ، وأن يُثيبنا في الدنيا بالتوفيق للعلم والعمل الصالح ، وفي الآخرة بالمغفرة والجنّة ، وأن يُلحقنا بالصالحين .
والحمد للّه ربّ العالمين .

صفحه از 135