علم الأئمّة (ع) بالغيب و الاعتراض عليه بالإلقاء للنفس إلي التهلکة.. - صفحه 56

2 ـ عصر الشيخ الكليني ( ت 329 ه )

هو المحدّث الأقدم أبو جعفر محمّد بن يعقوب الكليني الرازي ، مجدّد القرن الرابع ، المتوفّى سنة 329ه ، وقد عاش في عصر الغيبة الصغرى ، وعاصر من الوكلاء ثلاثة ، وقد احتلّ بين الطائفة مكانةً مرموقةً ، وله بين علماء الإسلام منزلةٌ عظيمةٌ ، ننقل بعض ما قاله الكبراء في حقّه :
قال النجاشيّ ( ت 450 ه ) :
شيخ أصحابنا في وقته بالريّ ووجههم ، وكان أوثق الناس في الحديث وأثبتهم .
وقال الطوسيّ ( ت 460 ه ) :
ثقة عارف بالأخبار ، جليل القدر .
وقال العامّة فيه :
من فقهاء الشيعة ، ومن أئمّة الإماميّة وعلمائهم .
وقال السيّد بحر العلوم ( ت 1212 ه ) :
ثقة الإسلام ، وشيخ مشايخ الأعلام ، ومروّج المذهب في غيبة الإمام عليه السلام ذكره أصحابنا . . . واتّفقوا على فضله وعظم منزلته ۱ .
وكتابه العظيم الكافي أوّل الكتب الأربعة المعتمدة عند الشيعة في الحديث وأجلّها وأوسعها ، والّذي مجّد به كبار الطائفة وأعلامهم :
فقال المفيد ( ت 413 ه ) فيه :
هو من أجلّ كتب الشيعة وأكثرها فائدة .
وقال الشهيد الأوّل ( ت 786 ه ) :
كتاب الكافي في الحديث الّذي لم يعمل الإماميّة مثله .
وقال المازندراني ( ت 1081 ه ) وهو شارح الكافي :
كتاب الكافي أجمع الكتب المصنّفة في فنون علوم الإسلام ، وأحسنها ضبطا ، وأضبطها لفظا ، وأتقنها معنىً ، وأكثرها فائدةً ، وأعظمها عائدةً ، حائز ميراث أهل البيت ، وقمطر علومهم .
وقال السيّد بحر العلوم ( ت 1212 ه ) :
إنّه كتاب جليل ، عظيم النفع ، عديم النظير ، فائق على جميع كتب الحديث بحسن الترتيب ، وزيادة الضبط والتهذيب ، وجمعه للأُصول والفروع ، واشتماله على أكثر الأخبار الواردة عن الأئمّة الأطهار عليهم السلام ۲
.
لقد عقد الشيخ الكليني في كتابه الكافي بابا في كتاب « الحجّة » بعنوان : « باب أنّ الأئمّة عليهم السلام يعلمون متى يموتون ؟ وأنّهم لا يموتون إلّا باختيار منهم » ، وأورد فيه ثمانية أحاديث تدلّ على ما في العنوان ، ومنها الحديث المذكور سابقا ، عن الإمام الرضا عليه السلام .
وعقدُ الكلينيّ لهذا الباب بهذا العنوان يدلّ بوضوحٍ على أنّ المشكلة كانت معروضةً في عصره ، وبحاجةٍ إلى حسُمٍ ، فلذلك لجأ إلى عقده .
فلنمرّ بمضمون الأحاديث ، كي نقف على مداليلها ۳ :
الحديث الأوّل : بسنده عن أبي بصير ، قال :
قال أبو عبد اللّه عليه السلام : أيّ إمام لا يعلم ما يصيبه وإلى ما يصير ، فليس ذلك بحجّة للّه على خلقه .
ودلالته على عنوان الباب واضحة .
الحديث الثاني : بسنده عمّن دخل على موسى الكاظم عليه السلام فأخبره :
أنّه قد سُقي السمّ ، وغدا يحتضر ، وبعد غدٍ يموت .
ودلالته على علم الإمام بوقت موته واضحة .
الحديث الثالث : بسنده عن جعفر الصادق عليه السلام ، عن أبيه الباقر عليه السلام :
إنّه أتى أباه عليّ بن الحسين السجّاد عليه السلام ، قال له : إنّ هذه الليلة الّتي يُقبض فيها ، وهي الليلة الّتي قُبض فيها رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم .
ودلالته على علم الإمام بليلة وفاته واضحة .
الحديث الرابع : وقد أوردناه في المقطع السابق بعنوان « عصر الإمام الرضا عليه السلام » .
الحديث الخامس : بسنده عن الإمام أبي الحسن موسى الكاظم عليه السلام وفيه :
إنّ اللّه غضب على الشيعة ، وأنّه خيّره نفسه أو الشيعة ، وأنّه وقاهم بنفسه .
ودلالته على تخييره بين أن يصيبهم بالموت ، أو يصيبه هو ، وعلى اختياره الموت وقاءً لهم ، واضحةٌ .
الحديث السادس : بسنده إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام أنّه قال لمسافر الراوي :
إنّه رأى رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم وهو يقول له : يا عليّ ، ما عندنا خيرٌ لك .
ومن الواضح أنّ هذا القول هو دعوةٌ للإمام إلى ما عند رسول اللّه ، وهو كناية واضحة عن الموت ، وقد مثّل الإمام الرضا عليه السلام وضوح ذلك بوضوح وجود الحيتان في القناة الّتي أشار إليها في صدر الحديث .
الحديث السابع : بسنده عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام :
إنّ أباه أوصاه بأشياءٍ في غسله وفي كفنه وفي دخوله قبره ، وليس عليه أثر الموت ، فقال الباقر عليه السلام : يابنيّ ، أما سمعت عليّ بن الحسين عليه السلام يُنادي من وراء الجدار : يامحمّد ، تعال ، عجّل .
ودلالته مثل دلالة الحديث السابق ، في كون الدعوة إلى الدار الأُخرى ، والقرينة هنا أوضح ، حين أوصى الإمام بتجهيزه .
ودلالة هذين الحديثين على ثبوت الاختيار للإمام واضحة ، إذ إنّ مجرّد الدعوة ليس فيها إجبارٌ على الامتثال ، بل يتوقّف على الإجابة الاختياريّة لذلك .
الحديث الثامن : بسنده عن عبد الملك بن أ عين ، عن أبي جعفر عليه السلام قال :
أنزل اللّه ُ تعالى النصرَ على الحسين عليه السلام حتّى كان بينَ السماء والأرض ، ثمّ خُيّر النصرَ أو لقاءَ اللّه ، فاختار لقاءَ اللّه تعالى .
ودلالته على ما في عنوان الباب واضحةٌ ، للتصريح فيه بالتخيير ثمّ اختيار الإمام لقاء اللّه .
ومع وضوح دلالة جميع هذه الأحاديث على ما في عنوان الباب كما شرحناه ، فلا يرد نقدٌ إلى الكليني ، ولا الكافي ، ولا هذا الباب بالخصوص ، ومن حاول التهجّم على كتاب الكافي والتشكيك في صحّة نسخه والمناقشة في أسانيد هذه الأحاديث ، فهو بعيدٌ عن العلم وأساليب عمل العلماء . والتشكيك في دلالة الأحاديث على مدلول عنوان الباب ، يدلّ على الجهل باللغة العربيّة ودلالتها اللفظيّة ، والبعد عن أوّليّات علم الكلام بشكلٍ مكشوف ومفضوح .
فلا نجد من اللّازم التعرّض لكلّ ما ذكر في هذا المجال ، إلّا أنّ محاولة التهجّم على الكتاب وأسانيده لا بدّ من ذكرها وتفنيدها ، وهي :
أوّلاً : ما ذكر تبعا لمستشرق أمريكي أثار هذه الشبهة ، من أنّ نُسخ كتاب الكافي مختلفة ، وأنّ هناك فرقا بين رواية الصفواني ورواية النعماني للكتاب ، وبين النسخة المطبوعة المتداولة .
نقول : إنّ تلاميذ الكليني الّذين رووا عنه كتاب الكافي بالخصوص كثيرون ، وقد صرّح علماء الرجال بروايتهم للكتاب عن مؤلّفه الكليني ، وهم : الصفواني ، والنعماني ، وأبو غالب الزراري ، وأبو الحسن الشافعي ، وأبو الحسين الكاتب الكوفي ، والصيمري ، والتلّعُكبري ، وغيرهم ۴ .
وإن دلّت كثرة الرواة على شيء فإنّما تدلّ على أهمّية الكتاب والعناية به والتأكّد من نصّه ، ولا بدّ أن يبذل المؤلّف والرواة غاية جهدهم في تحقيق عمليّة المحافظة عليه ، والتأكّد من بلوغه بالطرق الموثوقة المتعارفة لتحمّل الحديث وأدائه .
أمّا الاختلاف بين النسخ على أثر وقوع التصحيف والسهو في الكتابة ، وعلى طول المدّة الزمنيّة بيننا وبين القرن الرابع على مدى عشرة قرون ، فهذا أمرٌ قد مُني به تُراثنا العربيّ ، فهل يعني ذلك التشكيك في هذا التراث كلّه ؟ ! كلّا ، فإنّ علماء الحديث قد بذلوا جهودا مضنيّةً في الحفاظ على هذا التراث وجمع نسخه والمقارنة بينها ، والترجيح والاختيار والتحقيق والتأكّد من النصّ ، شأنهم في ذلك شأن العلماء في عملهم مع النصوص الأُخرى ، من دون أن يكون لمثل هذه التشكيكات أثرٌ في حجّيتها أو سلب إمكان الإفادة منها ، ما دامت قواعد التحقيق والتأكّد والتثبّت ، متوفّرةً ، والحمد للّه .
أمّا تهريج الجهلة بأساليب التحقيق ، وبقواعد البحث العلمي في انتخاب النصوص ، وإثارتهم وجود نسخ مختلفة ، فهو نتيجةٌ واضحةٌ للأغراض المنبعثة من الحقد والكراهيّة للعلم ، وقديما قيل : « الناس أعداء ما جهلوا » .
وثانيا : مناقشة الأحاديث المذكورة ، من حيث أسانيدها ، ووجود رجال موسومين بالضعف فيها .
والردّ على ذلك : إنّ البحث الرجالي ، ونقد الأسانيد بذلك ، لا بدّ أن يعتمد على منهجٍ رجاليٍّ محدّدٍ ، يتّخذه الناقد ، ويستدلّ عليه ، ويطبّقه ، وليس ذلك حاصلاً بمجرّد تصفّح كتب الرجال ، ووجدان اسم لرجل ، والحكم عليه بالضعف أو الثقة ، تبعا للمؤلّفين الرجاليّين وتقليدا لهم ، مع عدم معرفة مناهجهم وأساليب عملهم .
وإنّ من المؤسف ما أصاب هذا علم رجال الحديث ، إذ أصبح ملهاةً للصغار من الطلبة يناقشون به أسانيد الأحاديث ، مع جهلهم بالمناهج الرجاليّة الّتي أسّس مؤلّفوا علم الرجال كتبهم عليها ، وبنوا أحكامهم الرجالية على أساسها ، مع أهمّية ما يبتني على تلك الأحكام من إثبات ونفي ، وردٍّ وأخذٍ لأحاديث وروايات في الفقه والعقائد والتاريخ، وغير ذلك .
كما إنّ معرفة الحديث الشريف ، وأساليب تأليفه ومناهج مؤلّفيه له أثرٌ مهمّ في مداولة كتبهم والاستفادة منها ، ولقد أساء من أقحم ـ ولا يزال يقحم الطلبة في وادي هذا العلم الصعب المسالك ، فيصرفون أوقاتهم الغالية في مناقشات ومحاولات عقيمة ، ويبنون عليها الأحكام والنتائج الخطيرة .
كالمناقشة في أسانيد أحاديث هذا الباب الّذي نبحث عنه في كتاب الكافي للشيخ الكليني ، فقد جهل المناقش أُمورا من مناهج النقد الرجالي ، ومن أُسلوب عمل الكليني ، فخبط ـ خبط عشواء ـ في توجيه النقد إلى الكافي .
فمن ناحية : إنّ قسم الأُصول من الكافي إنّما يحتوي على أحاديث ترتبط بقضايا عقائدية ، وأُخرى موضوعات لا ترتبط بالتعبّد الشرعيّ ، كالتواريخ وأحوال الأئمّة ومجريات حياتهم .
ومن المعلوم أنّ اعتبار السند ، وحاجته إلى النقد الرجالي بتوثيق الرواة أو جرحهم ، إنّما هو لازمٌ في مقام إثبات الحكم الشرعيّ للتعبّد به ؛ لأنّ طريق اعتبار الحديث توصّلاً إلى التعبّد به متوقّف على اعتباره سنديّا ، بينما القضايا الاعتقادية ، والموضوعات الخارجيّة لا يمكن التعبّد بها ؛ لأنّها ليست من الأحكام الشرعية ، فليس المراد منها هو التعبّد بمدلولها والتبعيّة للإمام فيها ، وإنّما المطلوب الأساسي منها هو القناعة والالتزام القلبي واليقين ، وليس شيء من ذلك يحصل بالخبر الواحد حتّى لو صحّ سنده وقيل بحجّيته واعتباره ؛ لأنّه على هذا التقدير لا يفيد العلم ، وإنّما يعتبر للعمل فقط .
نعم ، إنّ حاجة العلماء إلى نقل ما روي من الأحاديث في أبواب الأُصول الاعتقادية ، لمجرّد الاسترشاد بها ، والوقوف من خلالها على أساليب الاستدلال والطرق القويمة المحكمة الّتي يتّبعها أئمّة أهل البيت عليهم السلام في الإقناع والتدليل على تلك الأُصول ، ولا يفرّق في مثل هذا أن يكون الحديث المحتوي عليه صحيح السند أو ضعيفه ، ما دام المحتوى وافيا بهذا الغرض وموصلاً إلى الإقناع الفكري بالمضمون .
وليس التشكيك في سند الحديث المحتوي على الإقناع مؤثّرا لرفع القناعة بما احتواه من الدليل ، وكذا الموضوعات الخارجيّة ، كالتواريخ ، وسنيّ الأعمار ، وأخبار السيرة ، ليس فيها شيءٌ يتعبّد به حتّى تأتي فيه المناقشة السنديّة ، وإنّما هي أُمور ممكنة ، يكفي ـ في الالتزام بها ونفي احتمال غيرها ـ ورود الخبر به .
فلو لم يمنع ـ من الالتزام بمحتوى الخبر الوارد ـ أصلٌ محكمٌ ، أو فرعٌ ملتزمٌ ، ولم تترتّب على الالتزام به مخالفة واضحة ، أو لم تقم على خلافه أدلّةٌ معارضةٌ ، كفى الخبر الواحد في احتماله لكونه ممكنا ، وإذا غلب على الظنّ وقوعه باعتبار كثرة ورود الأخبار به أو توافرها ، أو صدور مثل ذلك الخبر من أهله الخاصّين بعلمه ، أو ما يماثل ذلك من القرائن والمناسبات المقارنة ، كفى ذلك مقنعا للالتزام به .
وبما أنّ موضوع قسم الأُصول من الكافي ، وخاصّةً الباب الّذي أورد فيه الأحاديث المذكورة الدالّة على « علم الأئمّة عليهم السلام بوقت موتهم وأنّ لهم الاختيار في ذلك »، هو موضوع خارج عن مجال الأحكام والتعبّد بها ، وليس الالتزام به منافيا لأصلٍ من الأُصول الثابتة ، ولا لفرعٍ من الفروع الشرعيّة ، ولا معارضا لآية قرآنيّة ، ولا لحديثٍ ثابتٍ في السنّة ، ولا ينفيه دليلٌ عقليٌّ ، وقد وردت به هذه المجموعة من الأحاديث والآثار ـ مهما كان طريقها ـ فقد أصبح من الممكن والمحتمل والمعقول .
وإذا توافرت الأحاديث وتكرّرت ، كما هو في أحاديث الباب ، ودلّت القرائن الأُخرى المذكورة في كتب السيرة والتاريخ ، وأيّدت الأحاديث المنبئة عن تلك المضامين ، حصل من مجموع ذلك وثوقٌ واطمئنان بثبوته . ولا ينظر في مثل ذلك إلى مفردات الأسانيد ومناقشتها رجاليّا .
ومن ناحيةٍ أُخرى : فإنّ المنهج السائد في عرف قدماء العلماء وأعلام الطائفة ، هو اللجوء إلى المناقشة الرجاليّة في الأسانيد ، ومعالجة اختلاف الحديث بذلك ، في خصوص موارد التعارض والاختلاف .
وقد يستدلّ على هذه السيرة وقيام العمل بها ، باعتمادهم في الفقه وغيره على الأحاديث المرسلة المقبولة والمتداولة وإن كانت لا سند لها ، فضلاً عن المقطوعة الأسانيد ، في صورة انفرادها بالحكم في الموقف . وللبحث عن هذا المنهج ، وقبوله أو مناقشته ، مجال آخر .
هذا ، مع أنّ الكليني لم يكن غافلاً ـ قطّ ـ عن وجود هذه الأسماء في أسانيد الأحاديث ، لتسجيله لها وعقد باب لها في كتابه ، كيف ، وهو من روّاد علم الرجال ، وقد ألّف كتابا في هذا العلم باسم « الرجال » ۵ ؟ !
أمّا اتّهام الرواة لهذه الأحاديث بالارتفاع والغلوّ ، ومحاسبة المؤلّف الكليني على إيرادها لأنّها تحتوي على ثبوت علم الغيب للأئمّة عليهم السلام ، فهذا مبنيٌ على الجهل بأبسط المصطلحات المتداولة بين العلماء ، فالغلوّ اسمٌ يطلق على نسبة الربوبيّة إلى البشر ـ والعياذ باللّه ـ ، بينما هذا الباب معنونٌ بـ « أنّ الأئمّة يعلمون متى يموتون . . . » ، فعنوان الباب يتحدّث عن « موت الأئمّة » ، وهذا يناقض القول بـ « الغلوّ » وينفيه .
فجميع رواة هذا الباب ، يبتعدون ـ بروايتهم له ـ عن الغلوّ المصطلح ، قطعا ، فكيف يتّهمهم بالغلوّ ؟ !
هذا ، والكلينيُّ نفسه ممّن ألّف كتابا في الردّ على « القرامطة » ، وهم فرقة تُنسب إلى الغلاة ۶ ممّا يدلّ على استيعاب الكليني وتخصّصه في أمر الفرق ، فكيف يحاسب بمثل ذلك ؟ !
ثمّ إنّ قول الكليني في عنوان الباب : « وإنّهم لا يموتون إلّا باختيارٍ منهم » ، يعني أنّ الموت الإلهي الّذي قهر اللّه به عباده وما سواه ، بدون استثناء ، وتفرّد هو بالبقاء دونهم ، لا بدّ أن يشمل الأئمّة ـ لا محالة ـ ولا مفرّ لهم منه ، وإنّما امتازوا بين سائر الخلائق بأن جعل اللّه اختيارهم لموتهم إليهم ، وهذا يوحي :
أوّلاً : إنّ لهم اختيار وقت الموت ، فيختارون الآجال المعلّقة قبل أن تُحتم ، فيكون ذلك بإرادة منهم واختيار وعلم ، رغبةً منهم في سرعة لقاء اللّه ، وتحقيقا للآثار العظيمة المترتّبة على شهادتهم في ذلك الوقت المختار . وهذا أنسب بكون إقداماتهم مع كامل اختيارهم ، وعدم كونها مفروضة عليهم ، وأنسب بكون ذلك مطابقا لقضاء اللّه وقدره ، فهو يعني إرادة اللّه منهم لما أقدموا عليه ، من دون حتم ، وإلّا ، فإن كان قضاءً مبرما وأجلاً حتما لازما ، فكيف يكونون مختارين فيه ؟ ! وما معنى موافقتهم على ما ليس لهم الخروج عنه إلى غيره ؟ !
ثانيا : إنّ لهم اختيار نوع الموت الّذي يموتون به ، من القتل بالسيف ضربةً واحدةً ، كما اختار الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ذلك ، أو بشرب السُمّ أو أكل المسموم كما اختاره أكثر الأئمّة عليهم السلام ، أو بتقطيع الأوصال وفري الأوداج واحتمال النصال والسهام وآلام الحرب والنضال ، وتحمّل العطش والظمأ ، كما جرى على الإمام سيّد الشهداء عليه السلام . ولايأبى عموم لفظ العنوان « لا يموتون إلّا باختيارٍ منهم » عن الحمل على ذلك كلّه .
مع أنّ في المعنى الثاني بُعدا اجتماعيا هامّا ، وهو : إنّ الأئمّة الأطهار عليهم السلام كانوا يعلمون من خلال الظروف ، والأحداث ، والمؤشّرات والمجريات ، المحيطة بهم ـ بلا حاجة إلى الاعتماد على الغيب وإخباره ـ أنّ الخلفاء الظلمة ، والمتغلّبين الجهلة على حكم العباد والبلاد ، سيقدمون على إزهاق أرواحهم المقدّسة بكلّ وسيلة تمكّنهم ؛ لأنّهم لا يطيقون تحمّل وجود الأئمّة عليهم السلام الرافضين للحكومات الجائرة والفاسدة ، والّتي تحكم وتتحكّم على الرقاب بالباطل وباسم الإسلام ، ليشوّهوا سمعته الناصعة بتصرّفاتهم الشوهاء .
فكان الأئمّة الأطهار تجسيدا للمعارضة الحقّة الحيّة ، ولو كانوا في حالة من السكوت ، وعدم مدّ اليد إلى الأسلحة الحديديّة ، لكنّ وجوداتهم الشريفة كانت قنابل قابلة للانفجار في أيّ وقت ! وتعاليمهم كانت تمثّل الصرخات المدوّية على أهل الباطل ، ودروسهم وسيرتهم كانت تمثّل الشرارات ضدّ تلك الحكومات ! فكيف تطيق الأنظمة الفاسدة وجود هؤلاء الأئمّة ، لحظة واحدة ؟ !
فإذا كان الأئمّة عليهم السلام يعلمون أنّ مصيرهم ـ مع هؤلاء ـ هو الموت ، ويعرفون أنّ الظلمة يكيدون لهم المكائد ، ويتربّصون بهم الدوائر ، ويدبّرون لقتلهم والتخلّص من وجودهم ، ويسعون في أن ينفّذوا جرائمهم في السرّ والخفاء ، لئلّا يتحمّلوا مسؤولية ذلك ، ولا يحاسبوا عليه أمام الناس والتاريخ ! فلو تمّ لهم إبادة هؤلاء الأئمّة سرّا وبالطريقة الّتي يرغبون فيها ، لكان أنفع لهم ، وأنجع لأغراضهم ! لكنّ الأئمّة عليهم السلام لا بدّ أن يُحبطوا هذه المكيدة على الظلمة القتلة .
فعند ذلك عليهم أن يأخذوا بأيديهم زمام المبادرة في هذا المجال المهمّ الخطر ، ويختاروا بأنفسهم أفضل أشكال الموت الّذي يُعلن مظلوميتهم ، ويصرخ بظُلاماتهم ، ويفضح قاتليهم ، ويُعلن عن الإجرام والكيد الّذي جرى عليهم ، ولا تضيع هدرا نفوسهم البريئة ، ولا دماؤهم الطاهرة .
فلو كان الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه السلام يُقتل في بيته أو في بعض الأزقّة والطرق خارج المسجد ، فمن كان يفنّد الدعايات الكاذبة الّتي بثّها بنو أُميّة بين أهل الشام بأنّ عليّا عليه السلام لا يصلّي ؟ ! فلمّا سمعوا أنّه قُتل في المسجد ، تنبّهوا إلى زيف تلك الدعايات المضلّلة .
وإذا كان الإمام الحسين عليه السلام يُقتل في المدينة ، فمن كان يطّلع على قضيّته ؟ ! وحتّى إذا كان يُقتل في « مكّة » ، فمضافا إلى أنّه كان يُعاب عليه أنّ حرمة الحرم قد هُتكت بقتله ! فقد كان يضيع دمه بين صخب الحجيج وضجيجهم ! بل إذا قُتل الحسين عليه السلام في أرض غير كربلاء ، فأين ؟ ! وكيف ؟ ! وما هو تفسير كلّ النصوص الّتي تناقلتها الصحف ، والأخبار عن جدّه النبيّ المختار صلى الله عليه و آله وسلم حول الفرات وكربلاء وتربتها الحمراء ؟ !
وهذا الاختيار يدلّ ـ مضافا إلى كلّ المعاني العرفانيّة الّتي نستعرضها ـ على تدبيرٍ حكيمٍ ، وحنكةٍ سياسيّةٍ ، ورؤيةٍ نافذةٍ ، وحزمٍ محكمٍ ، قام به الأئمّة عليهم السلام في حياتهم السياسيّة تجاه الظالمين المستحوذين على جميع المقدّرات ، والّذين سلبوا من الأُمّة كلّ الحرّيات حتّى حريّة انتخاب الموت كمّا وكيفا ووقتا ومكانا .
فإنّ خروج الأئمّة عليهم السلام بتدابيرهم الحكيمة عن سلطة الحكّام في هذه المعركة ، وتجاوزهم لإرادتهم وأخذ زمام الاختيار بأيديهم ، وانتخابهم للطريقة المثلى لموتهم ، يُعدّ انتصارا باهرا في تلك الظروف الحرجة القاهرة .
ولقد قلت ـ عن مثل هذا ـ في كتابي الحسين عليه السلام سماته وسيرته ما نصّه :
وهل المحافظة على النفس ، والرغبة في عدم إراقة الدماء ، والخوف من القتل ، أُمور تمنع من أداء الواجب ، أو تعرقل مسيرة المسؤوليّة الكبرى ، وهي : المحافظة على الإسلام وحرماته ، وإتمام الحجّة على الأُمّة بعد دعواتها المتتالية ، واستنجادها المتتابع ؟ !
ثمّ هل تُعقل المحافظة على النفس ، بعد قطع تلك المراحل النضالية ، والّتي كان أقلّ نتائجها المنظورة القتل ؟ ! إذ أنّ يزيد صمّم وعزم على الفتك بالإمام عليه السلام الّذي كان يجده السدّ الوحيد أمام استثمار جهود أبيه في سبيل المُلك الأُموي العضوض ، فلا بدّ من أن يزيحه عن الطريق .
ويتمنّى الحكم الأُموي لو أنّ الحسين عليه السلام كان يقف هادئا ساكنا ـ ولو للحظة واحدة ـ حتّى يركّز في استهدافه وقتله ! ! وحبّذا لو كان قتل الحسين عليه السلام بصورة اغتيال ، حتّى يضيع دمه وتهدر قضيّته ! !
وقد أعلن الحسين عليه السلام عن رغبتهم في أن يقتلوه هكذا ، وأنّهم مصمّمون على ذلك حتّى لو وجدوه في جُحر هامةٍ ! وأشار يزيد إلى جلاوزته أن يحاولوا قتل الحسين أينما وجدوه ، ولو كان متعلّقا بأستار الكعبة !
فلماذا لا يبادرهم الإمام عليه السلام إلى انتخاب أفضل زمان ، وفي أفضل مكان ، وبأفضل شكلٌ للقتل ؟ ! الزمان عاشوراء المسجّل في عالم الغيب والمثبّت في الصحف الأُولى وما تلاها من أنباء الغيب الّتي سنستعرضها ، والمكان كربلاء الأرض الّتي ذُكر اسمها على الألسن منذ عصور الأنبياء .
أمّا الشكل الّذي اختاره للقتل ، فهو النضال المستميت ، الّذي ظلّ صداه ، وصدى بطولاته ، وقعقعات سيوفه ، وصرخات الحسين عليه السلام المعلنة عن أهدافه ومظلوميّته ، مدوّيةً في أُذن التاريخ على طول مداه ، يقضّ مضاجع الظالمين ، والمزوّرين للحقائق .
إنّ الإمام الحسين عليه السلام وبمثل ما قام به من الإقدام ، أثبت خلود ذكره وحديث مقتله على صفحات الدهر ، حتّى لا تناله خيانات المحرّفين ، ولا جحود المنكرين ، ولا تزييف المزوّرين ، بل يخلد خلود الحقّ والدين۷.

وأخيرا : فإنّ الشيخ الكلينيّ وهو : « أوثق الناس في الحديث وأثبتهم » كما شهد له النجاشي ، قد بنى تأليف كتابه على أساسٍ محكمٍ ، ومن شواهد الإحكام فيه : أنّه رحمه اللهعقد بابا بعنوان « باب نادر في ذكر الغيب » أورد فيه أحاديث تحلّ مشكلة الاعتراض الأوّل على « العلم بالغيب » ، وفيه الجواب الصريح لقول السائل للأئمّة : « أتعلمون الغيب ؟ » ويجعل نتيجة هذا الباب أصلاً موضوعا للأبواب التالية .
ومن تلك الأحاديث : حديث حُمران بن أ عين ، قال لأبي جعفر عليه السلام : «أرأيت قوله جلّ ذكره : «عالمُ الغَيْبِ فلا يُظهِرُ على غَيْبِهِ أَحَدا» ؟ فقال أبو جعفر عليه السلام : «إِلّا مَن ارْتَضَى مِنْ رَسُوْلٍ . . .»۸ ، وكان ـ واللّه ـ محمّد ممّن ارتضاه۹.
فقد كان الكليني يراعي ترتيب أبواب كتابه ترتيبا منهجيّا برهانيّا ، حتّى تؤتي نتائجها الحتميّة بشكلٍ منطقيّ مقبول ، فجعل من كتابه الكافي للدين سدّا لا يستطيع الملحدون أن يظهروه بشبههم وتشكيكاتهم ، ولا يستطيعون له نقبا .

1.. الرجال للنجاشي : ص ۲۶۶ ؛ الفهرست للطوسي : ص ۱۶۱ الرقم ۶۰۳ ؛ الرجال للطوسي : ص ۴۹۵ الرقم ۲۷ ؛ الإكمال لابن ماكولا : ج ۴ ص ۵۷۵ ؛ الكامل في التاريخ لابن الأثير : ج ۸ ص ۳۶۴ ؛ الفوائد الرجالية لبحر العلوم : ج ۳ ص ۳۲۵ ، وقد نقلنا هذه الأقوال بواسطة كتاب الشيخ الكليني البغدادي وكتابه الكافي ، تأليف السيّد ثامر هاشم حبيب العميدي : ص ۱۴۰ ـ ۱۴۳ .

2.. نقلنا هذه التصريحات من المصدر السابق : ص ۱۵۴ ـ ۱۵۶ .

3.. الأحاديث وردت في أُصول الكافي : ج ۱ ص ۲۵۸ ـ ۲۶۰ .

4.. لاحظ كتاب الشيخ الكليني للسيّد العميدي : ص ۹۶ ـ ۱۱۲ .

5.. انظر: الرجال : ص ۲۶۷ ؛ جامع الرواة للأردبيلي : ج ۲ ص ۲۱۹ ؛ الفوائد الرجالية : ج ۳ ص ۳۳۲ ؛ ر أعيان الشيعة : ج ۴۷ ص ۱۵۳ ؛ مصفّى المقال : ص ۴۲۷ ؛ الأعلام للزركلي : ج ۸ ص ۱۷ ؛ ولاحظ كتاب الشيخ الكليني البغدادي للسيّد العميدي : ص ۱۲۰ .

6.. انظر الرجال للنجاشي : ص ۲۶۷ ؛ الفهرست للطوسي : ص ۱۶۱ ؛ معالم العلماء لابن شهر آشوب : ص ۸۸ ؛ جامع الرواة : ج ۲ ص ۲۱۹ ؛ لؤلؤة البحرين للبحراني : ص ۳۹۳ ؛ هديّة العارفين للبغدادي : ج۶ ص ۳۵ ؛ الأعلام : ج ۸ ص ۱۷ ؛ الفوائد الرجالية : ج ۳ ص ۳۳۲ ؛ أعيان الشيعة : ج ۴۷ ص ۱۵۳ ؛ ولاحظ كتاب الشيخ الكليني البغدادي للسيّد العميدي : ص ۱۱۵ .

7.. الحسين عليه السلام سماته وسيرته : ص ۱۱۲ .

8.. الجنّ : ۲۶ .

9.. أُصول الكافي : ج ۱ ص ۲۵۶ ح ۲ ، وقد وافق أكثر المفسّرين من الخاصّة والعامّة على هذا المعنى .

صفحه از 135