علم الأئمّة (ع) بالغيب و الاعتراض عليه بالإلقاء للنفس إلي التهلکة.. - صفحه 94

6 ـ عصر الشيخ العلّامة الحلّي ( ت 726 ه )

هو الإمام الشيخ جمال الدين ، الحسن بن يوسف بن المطهّر ، أبو منصور ، الشهير بالعلّامة الحلّي .
قال ابن داوود :
شيخ الطائفة ، وعلّامة وقته ، وصاحب التحقيق والتدقيق ، كثير التصانيف ، انتهت رئاسة الإماميّة إليه في المعقول والمنقول .
وقال ابن حجر :
ابن المطهّر عالم الشيعة وإمامهم ومصنّفهم ، وكان آيةً في الذكاء . . . واشتهرت تصانيفه في حياته . . . وكان مشتهر الذكر حسن الأخلاق ، ولمّا بلغه بعض كتاب ابن تيميّة قال : « لو كان يفهم ما أقول أجبتُه » .
ومات في المحرّم سنة 726ه عن 80 سنة ۱ .
وقد سأله السيّد المهنّا بن سنان بن عبد الوهّاب بن نميلة ، من آل يحيى النسّابة ابن جعفر الحجّة بن عبيد اللّه الأعرج بن الحسين الأصغر بن الإمام زين العابدين علي السجّاد عليه السلام فهو حسينيّ ، عُبيدليّ ، أعرجيّ ، مدنيّ .
قال ابن حجر ۲ :
الحسيني ، الإمامي ، المدني ، قاضي المدينة ، اشتغل كثيرا ، وكان حسن الفهم ، جيّد النظم ، ولأُمراء المدينة فيه اعتقاد ، وكانوا لا يقطعون أمرا دونه ، وكان كثير النفقة ، متحبّبا إلى المجاورين ، ويحضر مواعيد الحديث . . . من فقهاء الإمامية ، مع تحقّق المعرفة ، وحسن المحاضرة ، ومات سنة 754 .
ووصفه العلّامة في أوّل جوابه عن مسائله بقوله :
السيّد الكبير ، النقيب الحسيب النسيب ، المعظّم المرتضى ، عزّ السادة ، زين السيادة ، معدن المجد والفخار ، والحكم والآثار ، الجامع للقسط الأوفى من فضائل الأخلاق ، والفائز بالسهم المعلّى من طيب الأعراق ، مزيّن ديوان القضاء ، بإظهار الحقّ على المحجّة البيضاء عند ترافع الخصم ، نجم الحقّ والملّة والدين .
وانظر الحقائق الراهنة في أعلام المئة الثامنة ۳ ،من طبقات أعلام الشيعة لشيخنا آقا بزرك الطهراني رحمه الله ۴ .
ذكر السيّد المهنّا بن سنان الحسيني المدني في المسائل الّتي وجّهها إلى العلّامة الحلّي ، المسألة 15 ، منها سؤالاً هذا نصّه : ما يقول سيّدنا ، فيما نُقل أنّ مولانا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام كان يعرف الليلة الّتي يُقتل فيها ويُخبر بها ؟ ! فكيف خرج عليه السلام في تلك الليلة ، ملقيا بيده إلى التهلكة ؟ ! وإنّ فعله عليه السلام هو الحجّة .
لكن نطلب وجها نجيب عن الشبهة ، فقد سأل المملوك عنها شخصٌ بدمشق . فأوضح لنا ذلك ، أحسن اللّه إليك .
ويبدو أنّ الشبهة كانت مثارةً من قبل آخر ، ولعلّ الإثارة كانت من بعض المخالفين من أهل دمشق .
وفي هذا السؤال فائدةٌ جيّدةٌ ، حيث ورد فيه التنبيه إلى أنّ فعل الإمام لو كان حجّةً ، فلا معنى للاعتراض عليه ، وذلك لأنّ من ثبتت إمامته وقامت الحجج على كونه إماما مفترض الطاعة ، فهو لا شكّ في كونه عالما بأحكام اللّه تعالى ، وكلّ ما يصدر منه هو طاعةٌ للّه ، ولا تصدر منه المعصية ؛ لأنّ الإمام عندنا يُشترط فيه العصمة عن الذنوب ، وكذلك يُشترط فيه العلم بأحكام الشريعة بالإجماع .
فإذا ثبتت إمامته ، لم يحاسب على شيء من إقدامه فعلاً أو تركا ، فكيف يتصوّر أن يكون ملقيا بنفسه إلى التهلكة ، حتّى مع فرض علمه بما يجري عليه .
ففرض الإلقاء في التهلكة منافٍ لأصل ثبوت إمامته ، فهو منتفٍ في حقّه ، قبل أن يُبحث عن كونه عالما بالغيب ، وبما يجري عليه تفصيلاً . . . فلا يبتني نفي علمه بالغيب على فرض حرمة الإلقاء للنفس إلى التهلكة . وقد شرحنا هذا الأمر في صدر البحث .
وقد أجاب العلّامة الحلّي عن هذا السؤال بقوله :
يحتمل أن يكون عليه السلام أُخبر بوقوع القتل في تلك الليلة ، ولم يعلم أنّه في أيّ وقتٍ من تلك الليلة ! أو أنّه لم يعلم في أيّ مكان يُقتل !
أو أنّ تكليفه عليه السلام مغايرٌ لتكليفنا ، فجاز أن يُكلّف ببذل مهجته الشريفة صلوات اللّه عليه في ذات اللّه تعالى ، كما يجب على المجاهد الثبات ، وإن أدّى ثباته إلى القتل ، فلا يُعذل في ذلك ۵ .
والظاهر أنّ العلّامة إنّما أخذ في الاعتبار في جوابه فرض السائل أنّ إلقاء الشبهة ليس من قبل من يعتقد بالإمامة ومستلزماتها ، بل من رجلٍ من المخالفين لا يعتقد إمامة الإمام ، ولا يلتزم بشرائطها المعروفة من العصمة والعلم وغير ذلك .
وعلى ذلك ، فلو أُريد إلزامه بعلم الإمام وتصديق الأخبار الدالّة على معرفته بمقتله ، والّتي وردت ولم تُنكر ، فلا بدّ من الخروج بأحد الوجوه الّتي ذكرها العلّامة ، إمّا بالالتزام بتحديد الخبر الواصل إليه وأنّه عن أصل القتل وشخص القاتل دون زمانه المحدّد ، أو بالالتزام بتحديد الخبر بما دون مكان معيّن . وعلى هذين الفرضين فلا ينافي إقدام الإمام حتّى على قتله ؛ لأنّه لم يخبر بالزمان والمكان الخاصّين ، حتّى يكلّف باجتنابهما ، فلا يرد اعتراض أنّه أقدم على الهلكة .
وأمّا الجواب الثالث ، فهو مناسب حتّى للسائل المعتقد بالإمامة ، وهو أن يكون الإمام متعبّدا بتكليف خاصٍّ ، وهو مثل المجاهد المأمور والمكلّف بالجهاد حتّى الشهادة . فالإمام كالمجاهد الّذي يُستشهد ، لا يُعاتب ولا يُعذل ؛ لأنّ فعله طاعةٌ ، وليس حراما ولا معصيةً ، ولا يقال في حقّه : إنّه ألقى بيده إلى التهلكة .

1.. نقلنا هذه الأقوال من مقدّمة العلّامة الجليل السيّد محمّد صادق بحر العلوم على رجال العلّامة الحلّي : ص ۱۴۹ ، فراجع .

2.. في الدرر الكامنة : ج ۴ ص ۳۱۸ .

3.. ص ۲۴۴ .

4.. نقلنا النصّين من مقدّمة أجوبة المسائل المهنّائية : ص ۱۲ ـ ۱۳ ، وهي بقلم العلّامة الشيخ محيي الدين المامقاني دام ظلّه .

5.. أجوبة المسائل المهنّائية : ص ۱۴۸ ، ونقله المجلسي في مرآة العقول : ج ۳ ص ۱۲۶ ، وفي بحار الأنوار : ج ۴۲ ص ۲۵۹ .

صفحه از 135