181
الکشف الوافي في شرح أصول الکافي

۰.وقال عليه السلام : «أوحى اللّهُ إلى داودَ عليه السلام : لا تجعَلْ بيني وبينك عالما مفتونا بالدنيا ، فيَصُدَّك عن طريق محبّتي ، فإنَّ اُولئك قُطّاعُ طريقِ عبادي المريدين ، إنَّ أدنى ما أنا صانِعٌ بهم أن أنزِعَ حَلاوَةَ مُناجاتي عن قلوبهم» .

۵.عليٌّ ، عن أبيه ، عن النوفليّ ، عن السكونيّ ، عن أبي عبداللّه عليه السلام ، قال :«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : الفقهاءُ اُمناءُ الرسلِ ما لم يَدخُلوا في الدنيا ، قيل : يا رسول اللّه ، وما دُخولُهم

وقوله: (قال عليه السلام ) إلخ استيناف بياني لقوله: (إذا رأيتم العالم محبّا لدنياه) إلخ.
وقوله تعالى: (لا تَجْعَلْ بَيني وبينَكَ عالما مفتونا بالدنيا) أي لا تصاحبه، ولا تواخه فيَ، ولا تستنصحه في دينك، والمفتون بالدنيا هو المُعجَب بها.
ويحتمل أن يكون هذا حكما للاُمّة وإن كان المخاطب داوود عليه السلام ، أي لا تجعل بيني وبينك وسيلة إلى حصول معرفتي ومعرفة ديني وشريعتي عالما معجبا بالدنيا.
والحاصل أنّه يجب للاُمّة أن لا يأخذوا المعارف الإلهيّة والأحكام الدينيّة عن العالم المفتون بالدنيا.
وقوله: (فيَصُدَّك عن طريق محبّتي) أي يمنعك عن طريق محبّتي بالترغيب إلى الدنيا، وتهييج الشهوة إلى طلبها، وتشييد محبّتها في القلب.
وقوله: (فإنّ اُولئك قُطّاعُ طريقِ عبادي المريدين) أي المريدين لما عندي من القرب والثواب؛ لأنّهم يميلون من الرغبة إلى قربه تعالى ومحبّته، أو من الرغبة إلى الآخرة ونعيم الجنّة إلى الرغبة في الدنيا وأسبابها.
وقوله: (إنّ أدنى ما أنا صانع بهم) أي أقلّ ما اُجزيهم بسبب افتتانهم بالدنيا (أن أنزع حلاوة مناجاتي) أي الحكايةِ معي والدعاءِ والذكرِ وعرضِ الحاجات عليَ عن قلبه، وذلك لشغل قلبه بالدنيا عمّن يناجيه، فلا يدرك حلاوة مناجاته، أو لأنّ إدراكه لكيفيّة المناجاة وطعمها مشوب بإدراكه لكيفيّة نيل الدنيا وطعمه، وهي مُرّة وإن وافقت ذائقته، فلا يخلص له حلاوة المناجاة مع ربّه، فهو تعالى بتركه على افتتانه ينزع عن قلبه حلاوة المناجاة.


الکشف الوافي في شرح أصول الکافي
180

۴.عليُّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن القاسم ، عن المنقريّ ، عن حفص بن غياث ، عن أبي عبداللّه عليه السلام ، قال :«إذا رأيتم العالمَ مُحبّا لدُنياه فَاتّهِموه على دينكم ، فإنّ كلَّ محبّ لشيء يَحوطُ ما أحَبَّ» .

إلّا أن يقال له: إنّه علّامة ويتبعه الجهّال، ويراجعه السلاطين والاُمراء ليفتي لهم ما يريدونه من القبائح، فيأكل جوائزهم ويترأّس بقربهم على من لا رئاسة له عليه.
وبالجملة، ليس غرضه من طلب العلم إلّا أن يجعله آلة لتحصيل الدنيا، فليس حظّه ونصيبه منه إلّا الدنيا، وليس له من تحقيق الحقّ والعمل والنجاة حظّ، أو ليس له في الآخرة نصيب وثواب لأجل طلب العلم؛ فتدبّر.
قوله عليه السلام : (إذا رأيتم العالمَ محبّا لدنياه فاتّهِمُوه على دينكم فإنّ كلّ محبّ لشيء يَحوط ما أحَبَّ)
تقول: اتّهمتُ زيدا على كذا إذا لم تأمنه عليه، وأسأت ظنّك به فيه، ويقال: حاطه حوطا وحياطة، إذا حفظه وتعهّد أمره وتوفّر على مصالحه، يعني إذا رأيتم العالم محبّا لدنياه فلم تأمنوه على دينكم وتُسِيؤوا ظنّكم به فيه؛ لأنّ كلّ محبّ لشيء يحفظ ويتعهّد من ذلك الشيء ومن مقابله ما أحبّ، وحبّ أحد المتقابلين المتنافيين يوجب بغض الآخر، فحبّ الدنيا يوجب بغض الآخرة، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام : «من أحبّ الدنيا وتولّاها أبغض الآخرة وعاداها» ۱ وللإشارة إلى ما ذكرناه قال: «يحوط ما أحبّ» ولم يقل: «يحوطه» ولا شكّ في أنّ حفظ الدنيا وتعهّدها لا يجامع في غالب الأوقات إظهار الحقّ والعمل به ممّا يتعلّق به نيل الآخرة وحفظها، فذلك العالم في الغالب يميل إلى الباطل ويقوله، ويعمل به لحفظ دنياه، فلا ينصحكم ولا يراعي جانب دينكم بل يراعي جانب دنياه، فينبغي أن لا يعتمد عليه في أخذ العلوم الدينيّة عنه، وأن لا يعتمد على فتاويه وقضاياه؛ لأنّ كلَّ قول وفعل منه مظنّة كونه من الكثير الغالب الذي هو خلاف الحقّ.

1.نهج البلاغة، قصار الحكم، رقم ۱۰۳؛ تحف العقول، ص ۲۱۲؛ بحار الأنوار، ج ۷۵، ص ۵۱، ح ۸۰.

  • نام منبع :
    الکشف الوافي في شرح أصول الکافي
    سایر پدیدآورندگان :
    الفاضلی، علی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 170455
صفحه از 739
پرینت  ارسال به