363
الکشف الوافي في شرح أصول الکافي

اللّهُ» ۱ وقال تعالى: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفا فِطْرَةَ اللّهِ الَّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها»۲ فإذاً في فطرة الناس ـ كما يشهد عليه القرآن ـ ما يغني عن إقامة البرهان، هذا كلامه.
والتنبيه على ما أفاده ـ من أنّ فطرة النفوس تشهد بكونها مقدورة بحسب تسخير الغير وتصرّفه بمقتضى تدبيره ـ أنّ كلّ أحد إذا راجع وجدانه يعلم أنّه دائم التغيّر والانتقال في الإرادات والعزمات، ولا يثبت بحال في حال قطعا، وأنّه لا يستقلّ في ذلك، بل لا يقدر عليه أصلاً، بل كان غيره يقلّبه من حال إلى حال، ويصرّفه من إرادة إلى إرادة، ويغيّر عزمه إلى آخر، فكم من عازم على فعل في اليوم نقض إقبالُ الليل عزمَه، وكم من مشتاق إلى أمر ليلاً بغّضه إليه ضوء النهار، ولذلك قال عزّ من قال: «عرفت اللّه بفسخ العزائم ونقض الهمم» ۳ فافهم.
ومنها: الإلهامات الحاصلة دفعة في العلوم والسياسات، وفي الأطفال الإنسيّة وعجم الحيوانات في معالجات أمراضها بالحشائش والأدوية، ومعرفة مصالحها وقصد الثَدْي عند الولادة، والحَبّ عند انكسار البيضة وتغميضها العين عند قصدها بالإصبع أو بحديدة، وغير ذلك من الإلهامات والعجائب الموجودة في أنواع الحيوانات المتعلّقة بمصالحها ومنافعها اللائقة بها على ما هو مذكور في كتاب الحيوان تدلّ دلالة ظاهرة على وجود مدبّر حافظ مُلهِم لتلك الأنواع ما يليق بها من المصالح والمنافع، وهو الإله المدبّر للعالم، قال اللّه تعالى: «وَنَفْسٍ وَما سَوّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها»۴ بل نقول: إنّك بعد التفحّص والاستقراء التامّ تجد أنّ كلّ واحد من الجواهر والأجسام العالية والسافلة تهتدي بخصائص مصالحه بلا تعلّم واكتسابٍ اهتداءً طبيعيا أو نفسانيا، فالهادي لكلّ منها إلى خصائص مصالح ذاته ليس إلّا مدبّر الكلّ، وتلك الهداية السارية في جميع جواهر العالم ليست إلّا فعل الحافظ لها المعتني بشأنها، قال اللّه تعالى شأنه: «أَعْطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى»۵ .

1.لقمان (۳۱): ۲۵؛ الزمر (۳۹): ۳۸.

2.الروم (۳۰): ۳۰.

3.تقدّم تخريجه في ص

4.الشمس (۹۱): ۶.

5.طه (۲۰): ۵۰.


الکشف الوافي في شرح أصول الکافي
362

فالحقّ أنّ كلّ عالم يعلم ذاته إذا كان أثرا وفيضا ۱ لغيره فإنّه يتفطّن ويشعر بمفيضه وبما يتعلّق إليه بعلاقة المعلوليّة وإن كان كثيرا ما لا يعلمه بخصوصه متعيّنا متفرّدا متميّزا عن غيره، وإنّما يشعر ويتوجّه إليه بوجه لا يشخّصه، ولا يعيّنه في ذلك التوجّه والتضرع والتولّع.
فإن قلت: هذا التوجّه متوجّه متصوّر في الإنسان الذي له نفس مجرّدة، فإنّه توجّه بوجهٍ إجمالي إلى شيء غير معلوم بخصوصه، وأمّا في الجسماني العالم بنفسه كأرواح الحيوانات فهذا التوجّه مشكل.
قلنا: أمّا على رأينا من أنّ الحقّ أنّ لكلّ حيوان نفسا مجرّدة والإدراك ـ سواء كان كلّيا أو جزئيا، مجرّدا أو مادّيا ـ لا يتمشّى إلّا من المجرّد إلّا أنّه يدرك الجزئيّات المادّيّة بوساطة الآلات وغيرها لا بواسطتها، كما حقّق في موضعه، وذهب إليه بعض المحقّقين فلا إشكال رأسا.
وأمّا بناء عل الأشهر من خلوّ سائر الحيوانات عن النفس المجرّدة فالجواب ما أفاده بعض الأعاظم من أنّه يحتمل أن يتمثّل لذلك الجسماني مثال خيالي يتوهّم أنّ ذلك المثال مبدؤه، وتكون بمثل ذلك المثال في الأجرام السماويّة؛ ولهذا يتوجّه بعض الحيوانات العُجْم في التضرّعات إلى السماوات كما نقل آنفا، بل الإنسان طبعا يتوجّه في الدعاء إلى نحو السماء، وكثير من الناس يتوهّم المبدأ جسمانيا بهذا الوجه مع أنّ له قوّة مجرّدة، فما لم يكن له قوّة مجرّدة لا يبعد أن يتوهّم ذلك.
ومنها ما قاله بعض المحقّقين وهو أنّ فطرة النفوس تشهد بكونها مقدورة بحسب تسخير الغير وتصرّفه فيه بمقتضى تدبيره، وذلك إلهه وفاعله، قال اللّه سبحانه: «أَفِي اللّهِ شَكٌّ»۲ ولهذا بعث الأنبياء عليهم السلام كلّهم لدعوة الخلق إلى التوحيد ليقولوا: «لا إله إلّا اللّه » وما اُمروا ليقولوا: «لنا إله، وللعالم إله» فإنّ ذلك كان مجبولاً في فطرة عقولهم من مبدأ نشأتهم في عنفوان شبابهم؛ ولذلك قال تعالى: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمواتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ

1.كذا.

2.إبراهيم (۱۴): ۱۰.

  • نام منبع :
    الکشف الوافي في شرح أصول الکافي
    سایر پدیدآورندگان :
    الفاضلی، علی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 144340
صفحه از 739
پرینت  ارسال به