51
الکشف الوافي في شرح أصول الکافي

۰.الرَّحْمَـنُ الرَّحِيمُ * .........

فيستحقّ العبوديّة مطلقا، سواء كان لكم ولغيركم، واحد.
فكأنّه دليل على ما يعمّ من المدّعى، وصورته: إنّ كلّ ما يستحقّ العبوديّة هو الواجب بالذات، وذلك ضروري لجميع الأديان؛ لاتّفاق كلّ الأنبياء عليهم السلام وجميع الكتب السماويّة على أنّه لا يستحقّ العبوديّة إلّا الذات المستجمع لجميع صفات الكمال الذي هو مدلول لاسم اللّه ، ونقص الإمكان الذاتي وكماليّة الوجوب بالذات ممّا يشهد عليهما البديهة، فانحصار استحقاق العبوديّة للواجب بالذات ممّا علم بالضرورة من جميع الأديان، ولا شيء من الواجب بالذات بمتعدّد بوجه من الوجوه، كما يدلّ عليه البراهين العقليّة، فلا شيء من المستحقّ للعبوديّة بمتعدّد بوجه من الوجوه.
فأحسِن تدبّره؛ فإنّه ۱ ذلك ممّا ألهمني اللّه تعالى بحسن توفيقه به في تفسير هذا الكلام، واللّه الموفِّق للمرام.
وقوله تعالى: «الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ»۲ خبران لمبتدأ محذوف، أي هو الرحمان الرحيم.
ويحتمل أن يكونا خبرين آخَرين لقوله تعالى: «إلهُكُم» ، وهما اسمان بنيا للمبالغة من رحم كالغضبان من غضب، والعليم من علم.
والرحمان ۳ أبلغ من الرحيم؛ لأنّ زيادة البناء تدلّ على زيادة المعنى كما في قطع وقطّع، وكبار وكبّار، وتلك الأبلغيّة إنّما تؤخذ تارة باعتبار الكمّيّة، والاُخرى باعتبار الكيفيّة، فعلى الأوّل قيل: يا رحمان الدنيا؛ لأنّه يعمّ المؤمن والكافر، ورحيم الآخرة؛ لأنّه مختصّ بالمؤمنين، فكمّيّة المرحومين في الدنيا أكثر من كمّيّتهم في الآخرة، وعلى الثاني قيل: يا رحمان الدنيا والآخرة؛ لأنّ كلّ نعم الآخرة وبعض نعم الدنيا جسام، ورحيم الدنيا باعتبار بعض النعم الحقيرة الدنيويّة، فكيفيّة الرحمة في الأوّل أشدّ من الثاني.
وإنّما قدّم ـ والقياس يقتضي الترقّي من الأدنى إلى الأعلى ـ لتقدّم رحمة الدنيا، ولأنّه

1.كذا.

2.تتمّة الآية السابقة.

3.في النسخة: + «والرحمان».


الکشف الوافي في شرح أصول الکافي
50

۰.يا هشام ، إنَّ اللّهَ تبارك وتعالى أكمَلَ للناس الحُجَجَ بالعقول ، ونَصَرَ النبيّين بالبيان ، ودَلَّهم على ربوبيّته بالأدلّةِ ، فقالَ : « وَ إِلَـهُكُمْ إِلَـهٌ وَ حِدٌ لَا إِلَـهَ إِلَا هُوَ .........

السليمةِ عن معارضة الوهم والعادة.
وفي ذلك دلالة على أنّ الهداية تحصل بفعل اللّه وقبول النفس لها؛ فأحسِن تدبّره.
وقوله عليه السلام : (أكمل للناس الحجج بالعقول) أي أقام للناس الدلائل والبراهين القاطعة على المعارف الإلهيّة والعلوم الدينيّة بسبب وجود العقول الكاملة؛ لأنّه لو لم تكن العقول الكاملة السليمة عن المعارضات الوهميّة والتسويلات الشيطانيّة والمناقضات الطبيعيّة، لم يهتد أحد إلى الحقّ.
وقوله عليه السلام : (ونصر النبيين بالبيان) أي ببيان الحقّ وإظهاره وإثباته لكلّ طبقة على وفق رتبتهم وفهمهم على وجوه مختلفة بحيث لا يبقى في قلب أحد شكّ ولا ريب، ولا ينكرهم إلّا بلسانهم لأجل أهوائهم، ولولا ذلك لزم إقحام الأنبياء عليهم السلام .
وقوله عليه السلام : (ودلّهم على ربوبيّته بالأدلّة) أي دلّ العقلاء على خالقيّته وموجديّته لكلّ شيء بالأدلّة الإنّيّة، فإنّ كلّ شيء في نظر اللبيب برهان واضح على وجود صانع العالم، بل على وحدته وعلمه وقدرته وسائر صفاته أيضا، كما يدلّ على ذلك قوله تعالى في سورة البقرة: «وَإِلهُكُم إِلهٌ واحِدٌ»۱ أي المستحقّ لعبادتكم واحد حقيقي لا شريك له، لا في استحقاق العبادة، ولا في وجوب الوجود الذاتي، ولا في صفاته ووحدته الحقيقيّة.
وقوله تعالى: «لا إِلهَ إِلّا هُوَ»۲ استيناف لبيان الوحدة، وتعميم، بعد التخصيص؛ إزاحةً لما يتوهّم من جواز أن يكون إله غيركم ـ أي المستحقّ لعبوديّة غيركم ـ متعدّدا، فبيّنه بأنّه لا شيء من المستحقّ للعبادة مطلقا ـ سواء كان لكم ولغيركم ـ غير ضروري العدم، أي الممكن الوجود بالإمكان العامّ.
«إلّا هو» أي إلّا اللّه ، فمرجع ضمير «هو» اللّه المستفاد من «إله واحد» وهو عَلَم للذات المستجمع لجميع صفات الكمال، وليس ذلك إلّا واجب الوجود بالذات وهو واحد،

1.البقرة (۲): ۱۶۳.

2.تتمّة الآية السابقة.

  • نام منبع :
    الکشف الوافي في شرح أصول الکافي
    سایر پدیدآورندگان :
    الفاضلی، علی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 172857
صفحه از 739
پرینت  ارسال به