223
موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) في الكتاب و السُّنَّة و التّاريخ ج4

لمسايرته ، ولم يكن الخواصّ راضين بمماشاته ، وكان العوامّ تبعاً لاُولئك ؛ وفي فضاء ينضح بشبهة قتال أهل القبلة ، ومحاربة شخصيّات لها في هذا الدين سابقة ، وهي إلى ذلك تتسربل وشاح القدسيّة وتتظاهر به ؛ وفي ظلّ أوضاع قاتمة انقلب فيها المقاتلون إلى حالة مطبقة من التآكل والضجر بعد ثلاثة حروب دمويّة أمضوها في سنتين من دون غنائم ومكاسب مادّيّة تذكر . وفي مشهد غاب عنه كبار أصحاب الإمام وخلّص حواريه ، وفي الوقت الذي راح جيش معاوية يواصل غاراته على الناس من دون انقطاع ، في أجواء مكفهرّةٍ كهذه ، كم هي الكفاءة التي يحتاج إليها القائد لكي يحثّ الجمهور على العودة إلى القتال ، ويعبّئه لحرب معاوية مجدّداً من دون أن يتوسّل بمنطق القوّة؟
لقد كان الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يحظى بهذه الكفاءة كلّها ، وخير ما يشهد لهذه الكفاءة ويفصح عن هذا الادّعاء بجلاء هو الخطبة الحماسيّة التي كان قد ألقاها الإمام قبل بعث الجند إلى صفّين مجدّداً ، فعن نوف البكالي ، قال : «خطبنا أمير المؤمنين عليه السلام بالكوفة وهو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي ، وعليه مدرعة من صوف ، وحمائل سيفه ليف ، وفي رجليه نعلان من ليف ، وكأن جبينه ثَفَنةُ بعير» .
وفي نهاية الخطبة نادى الإمام بأعلى صوته : «الجِهادَ الجِهادَ عِبادَ اللّهِ! ألا وإنّي مُعَسكِرٌ في يَومي هذا ، فَمَن أرادَ الرَّواحَ إلَى اللّهِ فَليَخرُج!»
قال نوف : وعقد للحسين عليه السلام في عشرة آلاف ، ولقيس بن سعد في عشرة آلاف ، ولأبي أيوب الأنصاري في عشرة آلاف ، ولغيرهم على أعداد اُخر ، وهو يريد الرجعة إلى صفّين ، فما دارت الجمعة حتى ضربه الملعون ابن ملجم ـ لعنه اللّه ـ فتراجعت العساكر ، فكنّا كأغنام فقدت راعيها ، تختطفها الذئاب من كلّ مكان! ۱

1.نهج البلاغة : الخطبة ۱۸۲ .


موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) في الكتاب و السُّنَّة و التّاريخ ج4
222

الكَفاءة القياديّة للإمام في وحدته

آخر وأهمّ نقطة تجدر بعنايتنا في بحث عوامل وحدة الإمام وتقصّي جذور هذه الحالة ، هي القدرة القياديّة والكفاءة الإداريّة الفذّة التي حظي بها أمير المؤمنين عليه السلام في هذه البرهة الحالكة ، ممّا لم نرَ مَن تنبّه إليها .
تكشف الوثائق التأريخيّة أنّ الإمام عليّاً عليه السلام أبدى في عهد غربته أسمى حالات الكفاءة القياديّة ، وأظهر من نفسه أجلّ معاني القدرة الإداريّة وأرفعها ؛ فحين نسجّل أنّ عليّاً بقي وحيداً فليس معنى ذلك أنّ عناد الجند وعدم انقياده لطاعته اضطرّه إلى أن يكون حِلْس بيته ، أو أنّه افتقد في الأشهر الأخيرة من خلافته قدرته القياديّة ، وغابت عنه جدارته في إدارة المجتمع ، بحيث راح يمضي وقته ببثّ شكواه ، ولم يكن له شاغل حتى لحظة استشهاده غير تقريع الناس ولومهم على عدم دفاعهم عن نهجه الإصلاحي . كلّا ، بل هذه هي صفحات التأريخ تجهر عن واقع مغاير بالكامل ، وهي تبدي الإمام وقد بذل جهوده القصوى في هذه المدّة ، وتظهره وقد بذل جهد طاقته في هذه الأيّام إذا ما قيست ببقيّة أشواط حكمه .
لقد كان على الإمام أن ينهض في هذه البرهة بالعب ء وحده ، وأن يبادر لمل ء الفراغات جميعاً ، وأن يمضي حتى آخر لحظة من حياته على السبيل ذاتها التي اختطّها لحكمه ، وأعلنها منذ اليوم الأوّل . ولقد حدث هذا تماماً .
تعالوا معنا نرقب المشهد عن كثب ؛ في مجتمع لم تكن النخبة على استعداد

  • نام منبع :
    موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) في الكتاب و السُّنَّة و التّاريخ ج4
    المساعدون :
    الطباطبائي، السيد محمد كاظم؛ الطباطبائي نجاد، السيد محمود
    المجلدات :
    7
    الناشر :
    دارالحدیث للطباعة و النشر
    مکان النشر :
    قم المقدسة
    تاریخ النشر :
    1427 ق / 1385 ش
    الطبعة :
    الثانية
عدد المشاهدين : 68313
الصفحه من 684
طباعه  ارسل الي