5
علوم الحديث 14

ربعه الأوّل ، «عِبَرٌ» قلّ مثيلُها في تاريخنا الماضي الذي طال أربعة عشر قرناً .
ففي طليعته كان انبثاقُ الثورة الإسلاميّة التي فجّرها الإمام الأعظم السيّد روح الله الخمينيّ رحمه الله ، فجدّد الإسلام ، ونفثَ في المستضعفين في العالم روح المقاومة ضدّ المستكبرين ، والنضال ضدّ المستعمرين ، وأدخل في قلوب المسلمين في كلّ الأرض فرحةً وقوّةً واعتماداً على أنفسهم ، وهيبةً أفزعتْ المستكبرين : من الصهاينة والصليبيين في الشرق والغرب ، والملحدين ، والمنافقين في البلاد الإسلاميّة ; فكانت من أكبر «عِبَرِ» التاريخ .
وذُهِلَ الاستعمارُ من تلك الحركة العظيمة ، ولم يتمكّنوا من مواجهتها ; فقد أجبرتْهم على الخُنوع والاعتراف بواقعها ، ولم يجدوا إلاّ تحريك عناصر من عملائهم الذين يدّعون الإسلام للمواجهة بإثارة النعرات الطائفيّة ، وإعلان الحرب الظالمة ضدّ دولة الإسلام ، حرباً عسكريّةً ، وإعلاميّةً ، ونفسيّةً، وطائفيّةً بشعةً ، فقلبوا نعمتَها على أنفسهم نقمةً ، وأضاعوا فرصةَ الاعتبار بها ; فبدلاً من أن يغتنموها ، ويجعلوها لهم قدوةً ، ويتّخذوها أسوةً للخلاص من هيمنة الاستعمار الجاثم على صدورهم ، ونبذ نَيْرِه الخانق لبلدانهم اقتصاديّاً ، واجتماعيّاً ، ونفسيّاً ; فإذا بهم يصيرون الأيدي العميلة للاستعمار ، بذلوا الأموال ، والأنفس ، والجهود ، والأعتدة ، لمقاومة حركة الخمينيّ ، وصدّه من الانتشار والتوسّع .
بينما اعتبرت الدول الاستعماريّة لنفسها ، وفتحت أعينها على المنطقة بشكل أوسع وأدقّ ، فضيّقت الخناق على عملائها وورطّتهم في معاهدات أخطر ، وبعثت عميلها طاغية بغداد للهجوم هذه المرّة على الكويت ، حتى تعمّق انشقاق الصفّ العربيّ الموهوم ، وتوسّع اختلاف الكلمة ، وتبتزّ أموالهم ، وتثبّت أقدامها في المنطقة بشكل أقوى وأعمق .
وتلك عبرةٌ أخرى ، فهلْ من مُعْتَبِر ؟! .
وفي هذه الأيّام ، حيث عاد الأسياد ـ المستعمرون القدامى ـ في شكل احتلال


علوم الحديث 14
4

ما أكثر العِبَر؟ وأقلّ الاعتبار!؟!

التحرير

إنّ التاريخ قصصٌ و « عِبَرٌ» يعتبرُ بها « أُوْلُو الألْبابِ» من أصحاب القلوب الواعية ; الذين يعرفون الحياة : كيفَ يتمتّعون بها ، ويلتذّون من نعيمها ، في أجواء هادئة ، سليمة ، جميلة ، أولئك يسعَوْنَ في تهيئة مثل تلك الأجواء لمثل هذه الحياة ، ويعلمون أنّ من أهمّ مقوّمات ذلك هو التعارُف ، والتعايشُ ، والتعاوُن بين البشر من المجموعة التي تحيطُ بالإنسان في البيت ،والمحلّة ، والقرية ، والبلدة ، والقطر ، والوطن ، والقارّة ، والعالم .
واللبيب الذي يفتح قلبه على الحياة ; يعلم بيقين أنّها لاتقتصر على هذه «الدُنيا» وإنّما هُناك « الأُخْرى» التي هي استمرارٌ لها ، فهو بحاجة إلى أنْ يهيّئ الأجواء لتلك أيضاً ، ليعيش هُناك ـ كذلك ـ في هدوء ، وسلام ، وجمال ; فيسعى لها سعيَها .
ولقد مرّت بنا ـ نحنُ المسلمين ـ في هذا القرن الخامس عشر ، الذي نقضي

  • نام منبع :
    علوم الحديث 14
عدد المشاهدين : 11635
الصفحه من 253
طباعه  ارسل الي