105
منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام

خيار الشورى السداسيّة إلّا بعد أن دفعته الضرورة لذلك ، حيث لم يرَ البديل المناسب ؛ وفي ذلك يقول وهو على فراش الموت : «لَو أدرَكَني أحَدُ رَجُلَينِ ثُمَّ جَعَلتُ هذَا الأَمرَ إلَيهِ ، لَوَثِقتُ بِهِ ؛ سالِمٌ مَولى أبي حُذَيفَةَ ، وأبو عُبَيدَةَ بنُ الجَرّاحِ» ۱ ، وقال «لَو كانَ سالِمٌ حَيّاً ما جَعَلتُها شورى» ۲ ، وقال: «لَو أدرَكتُ أبا عُبَيدَةَ بنَ الجَرّاحِ لَاستَخلَفتُهُ وما شاوَرتُ» . ۳
بهذا يتّضح أنّ هذه النظريّة لا تمتّ إلى واقع النبيّ صلى الله عليه و آله بصلة ، بل هي ممّا اُنتج بعد ذلك بزمن ، وتمّ صياغتها بمرور الوقت لتبرير ما وقع في صدر التاريخ الإسلامي وتصويبه ، ومن ثمَّ فهي أقرب إلى تنظير ما بعد الوقوع !
ب ـ لو أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله قد فكّر بطرح الشورى كخيار للمستقبل ، ولو أ نّه أراد إسناد المرجعيّة الفكريّة للرسالة والقيادة السياسيّة للاُمّة إلى جيل الصحابة ، لتحتّم أن يعبّئ هذا الجيل تعبئة فكريّة ورساليّة مكثّفة لكي يعدّه للمهمّة التي تنتظره ، بالأخصّ إذا لاحظنا أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله كان قد بشّر بسقوط تيجان كسرى وقيصر ، وانهيار الإمبراطوريّتين : الفارسيّة والروميّة ، وأنّ رسالته ستمتدّ في الزمان والمكان من دون أن تعرف الحواجز والحدود .
فهل كان الصحابة على مستوى من الدراية والعلم يؤهّلهم للنهوض بهذه المسؤوليّة الكبيرة ؟
ما هي الحقيقة ؟ وهل يمكن أن نتصوّر الصحابة على مستوى النهوض بهذه المسؤوليّة ؟ هذا سؤال خطير لاحَ لكثيرين ، ولا يمكن تجاوزه ببساطة ؛ لأنّ الإغضاء عنه ينمّ عن ضرب من السذاجة واللامبالاة في الاُصول العقيديّة .

1.مسند ابن حنبل : ج۱ ص۵۴ ح۱۲۹ .

2.اُسد الغابة : ج۲ ص۳۸۳ الرقم ۱۸۹۲ .

3.المستدرك على الصحيحين: ج۳ ص۳۰۰ ح۵۱۶۵ .


منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام
104

الأحوال . وهكذا تسقط الفرضيّة الاُولى .

الفرضيّة الثانية : إيكال المستقبل إلى الاُمّة

وهي أن نؤمن بأنّ النبيّ صلى الله عليه و آله لم يعيّن للاُمّة قائد المستقبل ، بل عهد قيادة الرسالة والقيمومة عليها إلى الاُمّة ، لكي يحدّد الجيل الطليعي من المهاجرين والأنصار طبيعة هذا المستقبل على أساس نظام الشورى .
والسؤال : هل يمكن الإقرار بهذا التصوّر ؟ وإلى أيّ مدى يتطابق مع الحقيقة ؟
هناك عدد من النقاط التي تحفّ هذه الفرضية الغريبة ، يمكن الإشارة لها كما يلي :
أ ـ لو كان النبيّ صلى الله عليه و آله قد اتّخذ من مستقبل الاُمّة والرسالة مثل هذا الموقف ، لكان حريّاً به أن يقوم بعمليّة توعية للاُمّة بطبيعة نظام الشورى وحدوده ومكوّناته وضوابطه ، والسبيل إلى تطبيقه وكلّ ما يمتّ إلى الموضوع بصلة ، بالأخصّ وإنّ ما يزيد في أهمّية هذه العمليّة أنّ المجتمع لم يكن قد عرف ـ حتى ذلك الوقت ـ نظام الشورى ، ولم تكن قد تمّت تجربته في بنية الحكم وهيكليّته ، فهل من المنطقي أن نزعم أنّ النبيّ القائد صلى الله عليه و آله أحال الاُمّة في خيارها المستقبلي ، وطبيعة القيادة التي تنتظرها ، إلى اُسلوب غائم غير واضح ، وغير محدّد المعالم والتفاصيل !
على أنّ الذي يدحض هذا التصوّر ويستبعده تماماً هو موقف التيّار الذي طالب بالخلافة ، ثمّ تبوّأ مقعدها ؛ فكلّ الأرقام والشواهد في حياة هؤلاء تدلّ بصورة لا تقبل الشكّ أنّ أيّ واحد من هؤلاء لم يستند إلى الشورى كميراث نبوي ، ولم يستدلّ على صحّة موقفة بأنّ النبيّ صلى الله عليه و آله هو الذي اختار نظام الشورى للاُمّة من بعده ، وليس في حياتهم ما يُنبئ عن إيمانهم بالشورى وممارستهم لهما عمليّاً ، فأبو بكر اتجّه إلى «النصب» في تعيين البديل الذي يخلفه ، أمّا عمر بن الخطّاب فلم يلجأ إلى

  • نام منبع :
    منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام
    المساعدون :
    غلامعلي، مهدي
    المجلدات :
    1
    الناشر :
    دار الحديث
    مکان النشر :
    قم
    تاریخ النشر :
    1388
    الطبعة :
    الاولي
عدد المشاهدين : 130486
الصفحه من 987
طباعه  ارسل الي