123
منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام

11 . أحاديث العلم

يتبوّأ رسول اللّه صلى الله عليه و آله المرجعيّة الفكريّة للاُمّة بالإضافة إلى الزعامة السياسيّة كما سلفت الإشارة لذلك ، فالاُمّة تواجه في معترك حياتها عشرات المعضلات الفكريّة على الصعيدين الفردي والاجتماعي ؛ فمن الذي يتولّى تذليل هذه العقبات ؟ ومن الذي يُميط اللثام عمّا يواجهه المجتمع من مشكلات معرفيّة ، ويفسّر للناس آيات القرآن ، ويعلّم الاُمّة أحكام دينها وكلّ ما يمتّ بصلة إلى المرجعيّة العلميّة والفكريّة ؟ ومَن الذي أراد له رسول اللّه صلى الله عليه و آله أن يتبوّأ هذا الموقع في المستقبل بحيث تلوذ به الاُمّة ، وتلجأ إليه بعد رحيل النبيّ ؟
لقد ضمّت المصادر القديمة نصوصاً نبويّة مكثّفة تدلّ بأجمعها على أنّ النبيّ اختار عليّ بن أبي طالب للمرجعيّة العلميّة والفكريّة من بعده ، منها الحديث النبوي الكريم : «أنَا مَدينَةُ العِلمِ ، وعَلِيٌّ بابُها» فعلاوة على شوق عليّ عليه السلام إلى العلم ، وتطلّعاته الذاتيّة إلى المعرفة ، وتوقه الشديد للتعلّم ، واستعداده الخاصّ على هذا الصعيد ، كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله لا يُخفي حرصه على إعداد عليّ إعداداً علميّاً خاصّاً ، وزقّهِ العلم زقّاً ، وإشباع روحه بالمعرفة ، والفيض عليه من الحقائق الربّانيّة العُليا .
لقد جاء الكلام النبوي الكريم : «أنَا مَدينَةُ العِلمِ وعَلِيٌّ بابُها ؛ فَمَن أرادَ المَدينَةَ فَليَأتِ البابَ» ليدلّ دلالة قاطعة لا يشوبها أدنى لبس ، على أنّ العلم الصحيح عند عليّ وحسب لا عند سواه ۱ . لقد طلب النبيّ عليّ بن أبي طالب في اللحظات الأخيرة من حياته ، وراح يسرّ له بينابيع المعرفة ، فقال عليّ بعد ذلك واصفاً الحصيلة التي طلع بها من إسرار النبيّ له : «حَدَّثَني ألفَ بابٍ ، يَفتَحُ كلُّ بابٍ ألفَ

1.لمزيد الاطّلاع على توثيق صيغ الحديث وضبط طرقه وأسانيده ، وما يتّصل به من نقاط مهمّة ، راجع : نفحات الأزهار : ج۱۰ و ۱۱ و ۱۲ .


منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام
122

ومنزلتهم الرفيعة ، وعلى هذا الضوء يتبيّن أنّ السرّ من وراء كلّ هذه الجهود النبويّة في الكشف عن مقصود الآية وتحديد مرادها ، وكذلك ما بذله الأئمّة عليهم السلام على هذا الصعيد ، وأيضاً ما قام به الاُمويّون في المقابل ومفسّروا البلاط من سعي هائل لصرف الآية عن «آل اللّه » أو إشراك الآخرين معهم في هذه الفضيلة على أقلّ تقدير ، إنّما يكمن في مفهومها الرفيع ، وما تنطوي عليه من دلالة قاطعة على طهارة الإمام أمير المؤمنين وعصمته ، ومن ثَمّ عصمة أهل البيت بالضرورة . ولم تكن هذه الآية وحدها في الميدان ، فبالإضافة إلى آية التطهير والجهود النبويّة الحثيثة التي بذلها رسول اللّه صلى الله عليه و آله في إبلاغها وتطبيقها على أهل البيت عليهم السلام ، توالت إلى جوارها روايات كثيرة نعت فيها النبيّ عليّ بن أبي طالب بالصدق والطهارة والنقاء والتزام الحقّ واستقامة السلوك وطُهر الفطرة ، ثمّ توّج ذلك كلّه بالإعلان أنّ عليّاً هو عدل القرآن ، ومعيار الحقّ ، والميزان الذي يفرّق بين الحقّ والباطل ، وبين الضلالة والصواب ، وهو فصل الخطاب . وفي ذلك دلالة قاطعة على أنّ من ينبغي أن يكون الاُسوة والإمام ، والقائد والمنار ، والزعيم والمولى هو عليّ بن أبي طالب لا غير .
ثمّ انظروا وتأمّلوا في قوله صلى الله عليه و آله : «عَلِيٌّ مَعَ القُرآنِ ، وَالقُرآنُ مَعَ عَلِيٍّ» ، «عَلِيٌّ مَعَ الحَقِّ ، وَالحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ» ، «عَلِيٌّ عَلَى الحَقِّ ؛ مَنِ اتَّبَعَهُ اتَّبَعَ الحَقَّ ، ومَن تَرَكَهُ تَرَكَ الحَقَّ» ، «عَلِيٌّ مَعَ الحَقِّ وَالقُرآنِ ، وَالحَقُّ وَالقُرآنُ مَعَ عَلِيٍّ» .
ماذا يعني هذا ؟ يعني أنّ عليّاً ثابت لا يزيغ ، صلبٌ لا تتعثّر به خطاه ، يقف في أعلى ذرى الاستقامة والصلاح ، لا يعرف غير الحقّ والصواب . إنّ عليّاً ليحمل على جبهته الوضيئة عنواناً رفيعاً اسمه «العصمة» ، ومن ثمّ ستكون الاُمّة في أمان من نفسها ، وسلامة من دينها وهي تهتدي بهدي عليّ ، وتقتدي به اُسوة ومناراً .

  • نام منبع :
    منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام
    المساعدون :
    غلامعلي، مهدي
    المجلدات :
    1
    الناشر :
    دار الحديث
    مکان النشر :
    قم
    تاریخ النشر :
    1388
    الطبعة :
    الاولي
عدد المشاهدين : 130151
الصفحه من 987
طباعه  ارسل الي