155
منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام

حلقاً حلقاً . لا ريب أنّ القلوب تموج بمشاعر مختلفة لما حصل .
ما الخبر ؟ عليّ أصبح خليفة النبيّ ؟ لم يكن قلّة اُولئك الذين تجاهلوا كلّ جهود النبيّ صلى الله عليه و آله وما بذله في سبيل هذا الأمر منذ أوّل أيّام البعثة حتى هذه اللحظة ، وما كان اصرارهم على العناد قليلاً ، لذلك شعر النبيّ أنّ مهمّته لم تكتمل بعد ، فلابدّ من المزيد إمكاناً في ترسيخ الأمر ، وإبلاغاً في الحجّة .
نادى على عليّ عليه السلام ، وتوّج رأسه بعمامته «السحابة» . لقد ألفت أعراف ذلك العصر تتويج من يتسنّم زمام الحكم ، وعلى هذا جرى الملوك والاُمراء ، والآن هو ذا رسول اللّه صلى الله عليه و آله وقد نصب عليّاً للحكم ، يضع على رأسه العمامة ؛ لأنّ «العَمائِمُ تِيجانُ العَرَبِ» . ۱
كما حدّثوا عن ثقافة ذلك العصر أنّ العرب عندما كانوا يَنتخِبون شخصاً للإمارة ويسوّدونه عليهم ، كانوا يضعون على رأسه «عمامة» في سلوك كان يدلّ على تثبيت الحاكميّة والولاية . ۲
لقد تحدّث عليّ بن أبي طالب عليه السلام عن هذه المكرمة النبويّة العظيمة ، بقوله : «عَمَّمَني رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله يَومَ غَديرِ خُمٍّ بِعِمامَةٍ» .
كما وثّق المحدّثون والمؤرّخون مراسم هذا التتويج المهيب الذي ينبئ عن العظمة والجلال ، فكان ممّا كتبوه : «أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه و آله دَعا عَلِيَّ بنَ أبي طالِبٍ يَومَ غَديرِ خُمٍّ ، فَعَمَّمَهُ وأرخى عَذَبَةَ العِمامَةِ مِن خَلفِهِ» .
وكتبوا أيضاً : «إنَّ رَسولَ اللّهِ صلى الله عليه و آله عَمَّمَ عَلِيَّ بنَ أبي طالِبٍ عليه السلام عِمامَتَهُ السَّحابَةَ» . ۳

1.مسند الشهاب : ج۱ ص۷۵ ح۴۷ .

2.تاج العروس : ج۱۷ ص۵۰۶ .

3.فرائد السمطين : ج۱ ص۷۶ ح۴۲ .


منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام
154

رسول اللّه صلى الله عليه و آله يعلم أنّ في قومه من لا يطيق هذه الحقيقة ، وأنّ فيهم من سيحرّض على «المولى» ويحشّد الصفوف لمواجهته ، جامحاً عن الحقّ ، فشدّد وحذّر ، ثمّ ما لبث أن تحوّل إلى جانب آخر ، ليعيد تأكيد الأمر من بُعدٍ جديد .
ذكر القيامة ، وعاد ينبّه إلى لحظة الفراق ، مشيراً : إنّني اُوشك أن اُدعى فاُجيب ، لكنّي أتوجّس المستقبل ، فماذا أنتم فاعلون ! موعدنا هناك ، على الحوض ، ستجدوني أقف بانتظاركم ، أترقّبكم كيف ترِدون .
صلّى اللّه عليك يا ضياء العالم ، ويا سراج الوجود المنير ، لقد صدعت بكلمات اللّه ، وبلّغت رسالة السماء بما هي أهله ، وأدّيت حقّ «الحقّ» اُداءً شرُفت به الحياة ، وأضاءت به مقادير الإنسان .
صلّى الله عليك ، وقد صدعت بولاية عليّ بصدر مشحون بالغصص والآلام ، لعلمك بالمدى الذي ستبلغه مكائد القوم واحَنهم ، وهي توشك أن تنطلق قويّة ضارية ، تحيك المؤامرات والمتاعب من كلّ حدب وصوب . بيد أ نّك حفظت للحقّ حرمته ، وأدّيت الأمانة .
فسلام عليك ـ نُزجيه خاشعين ـ عمّا أعطيت وهديت ، وعلى الذين نهجو نهجك الوضّاء ، وسلكوا سبيلك ، وبذلوا مهجتهم فيك .

3 . تتويج عليّ يوم الغدير

هو ذا نبيّ اللّه يضع عمامته على رأس عليّ ليزداد المشهد اُبّهةً وجلالاً ، فهو بحقّ : نور على نور .
رسول اللّه صلى الله عليه و آله يهبط من المكان الذي وُضع له لحظة أن صدع بأخطر بلاغات السماء ، تتهادى إلى نفسه المقدّسة عذوبة شفيفة ، تسكن روحه طمأنينة باذخة ، ورضى أحسّ به بعد أن انتهى من إبلاغ الاُمّة أمر ربّه . الناس يتجمهرون حول النبيّ

  • نام منبع :
    منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام
    المساعدون :
    غلامعلي، مهدي
    المجلدات :
    1
    الناشر :
    دار الحديث
    مکان النشر :
    قم
    تاریخ النشر :
    1388
    الطبعة :
    الاولي
عدد المشاهدين : 130547
الصفحه من 987
طباعه  ارسل الي