163
منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام

16 . الجهود الأخيرة

1 . كتابة الوصيّة

رسول اللّه صلى الله عليه و آله ممدّد على فراش المرض وقد ثقل عليه المرض ، الحمّى تلهب جسده المطهّر ، وكلّ شيء يومئ إلى أنّ ساعة الرحيل قد أزفت ، وأنّ النبيّ يوشك أن يفارق هذه الدنيا بعد سنوات من الجهد الحثيث المثابر . ما يشغل النبيّ في هذه اللحظات الحرجة ويقضّ عليه مضجعه هو مستقبل الاُمّة ، والغد الذي ستؤول إليه رسالته الفتيّة ، وهذه الشجرة الطيّبة التي لا تزال بحاجة إلى الرعاية والحماية ، وإلى عناية من نوع خاصّ .
في هذه اللحظات الثقيلة بوطأة الفراق الذي أوشك ، وإذا بصوت يصدع من الحجرة النبويّة ، ورسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول : «اِيتوني بِكِتابٍ أكتُب لَكُم كِتاباً لَن تَضِلّوا بَعدَهُ أبَداً» . ۱
انفجر المشهد عن لغط تحوّل بالتدريج إلى صياح وخصام في محضر النبيّ الأقدس ، ثمّ ندت عن أحد الحاضرين كلمة قارصة موجعة بعيدة كلّ البعد عن مقام النبيّ وشأوه العظيم . لقد بلغ من احتدام الموقف أنّ النساء صحن من وراء الستر إشفاقاً على النبيّ ، وهنّ يحثّنّ الرجال أن يُقرّبوا إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله ما طلبه ، فما كان من صاحب ذلك الصوت إلّا أن عاد يطعن بهنّ . ۲
عندها أحجم النبيّ عن الحاضرين ، ونادى بهم : «قوموا عَنّي» ! ۳
لم تُكتب هذه الوصية النبويّة ، لكن محتواها كان واضحاً لكثيرين ـ ولا يزال ـ

1.صحيح البخاري : ج۳ ص۱۱۱۱ ح۲۸۸۸ .

2.راجع : الطبقات الكبرى : ج۲ ص۲۴۳ .


منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام
162

قال : «أخبَرَهُم أ نَّهُ الإمامُ بَعدَهُ» . ۱
إنّ أمثال هذه النصوص التفسيريّة كثير في ميراث أئمّة أهل البيت عليهم السلام ، ولا جدال أنّ تفسيرهم مقدّم على كلّ تفسير . ۲

بعد الغدير

قفل رسول اللّه صلى الله عليه و آله عائداً إلى المدينة بعد أن انتهى من الحجّ وأبلغ ولاية عليّ بن أبي طالب عليه السلام . لم يعترض على البلاغ النبوي علناً وبشكل صريح إلّا شخص واحد ، أمّا البقيّة فقد انطوت على الصمت ولم تجهر بخبيئة نفسها . تفرّق الناس في البوادي والصحاري قاصدين ديارهم ، ودخل رسول اللّه صلى الله عليه و آله المدينة مع أصحابه .

محاولة لتثبيت محتوى «الغدير»

راح رسول اللّه صلى الله عليه و آله يُمضي أيّامه الأخيرة في المدينة ، وموجات السرور تطفح بالبشر على وجهه الأقدس ، وهو يشعر بالرضى وقد انتهى من أداء آخر المسؤوليّات وبلّغ آخر كلمات السماء وأخطرها . بيد أ نّه كان يعرف بعلمه الذي يستمدّه من وراء الملكوت ، ما يجري في داخل المجتمع ، وله دراية بجميع المؤامرات والمكائد والعداوات التي توشك أن تنطلق في المستقبل القريب قويّة ضارية . لذلك كلّه راح يستفيد من الفرصة المتبقّية لكي يُحكم ما كان قد بلّغه ويرسّخه أكثر فأكثر . لقد سجّل الجهد النبوي على هذا الصعيد مبادرتين عظيمتين على الأقلّ ، نشير إليهما في الفصل الآتي .

1.معاني الأخبار : ص ۶۵ ح ۱ .

2.راجع : مجلّة تراثنا / العدد ۲۱ ، البحث المهمّ المعنْون ؛ «الغدير وحديث العترة الطاهرة» .

  • نام منبع :
    منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام
    المساعدون :
    غلامعلي، مهدي
    المجلدات :
    1
    الناشر :
    دار الحديث
    مکان النشر :
    قم
    تاریخ النشر :
    1388
    الطبعة :
    الاولي
عدد المشاهدين : 130084
الصفحه من 987
طباعه  ارسل الي