317
منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام

إنّ الحكم الَّذي يسعه أن يزعم أنه يقتدي بالحكم العلوي ، هو ذلك الَّذي لا يضحّي بالعدالة ويئدها على مذبح المصلحة ، فليس في النظام العلوي مصلحة أعلى من مصلحة إقامة العدل .
وأخيراً ، فإنّ بمقدور الحكم أن يعلن أنّ مثاله الأعلى الَّذي يحتذي به هو عليّ ، إذا ما استطاع أن يحكم القلوب عبر منهج تقديم العدالة على المصلحة ، لا أن يحكم الأجساد ويقبض سيطرته عليها ، عبر منهج ترجيح المصالح العابرة !

2 . احترام الحقوق المتبادلة بين الدولة والاُمّة

في منطق الإمام لا يمكن أن يدوم بقاء الدول في المجتمعات إلّا إذا احترم النظام الحاكم حقوق الشعب ، وفي الطرف الآخر أبدى الشعب احترامه لحقوق النظام الحاكم عليه . وإلّا فمن دون رعاية الحقوق المتبادلة بين الدولة والشعب لا يمكن تحقّق العدالة الاجتماعيّة .
وطبيعي أنّ رعاية هذا الأمر هي عمليّة شاقّة ، ففي دائرة الكلام يحترم الجميع الحقّ ، لكن في دائرة العمل يتضاءل أهل الحقّ وينحسر عددهم «أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ» وبتعبير جميل للإمام أمير المؤمنين نفسه : «الحَقُّ أوسَعُ الأشياءِ فِي التَواصُفِ ، وَأضيَقُها فِي التَناصُفِ» . لهذا كلّه لم تتخطّ العدالة الاجتماعيّة واحترام حقوق الإنسان على مرّ التأريخ كلّه تخوم الشعار ، بل تحوّل هذا الشعار ـ أيضاً ـ إلى أداة لابتزاز حقوق النّاس والاعتداء عليها أكثر .
وعلى مدى عصور التاريخ الإسلامي بعد عهد رسول اللّه صلى الله عليه و آله سنحت فرصة استثنائيّة واحدة لجهة استقرار العدالة الاجتماعيّة تمثّلت في العهد القصير الَّذي أمضاه الإمام عليّ في الحكم ، بيد أن الاُمة لم تغتنم هذه الفرصة ، بل وقع الظلم على حكم الإمام من قِبل الرعيّة ذاتها ، حَتّى قال عليه السلام : «إن كانَتِ الرُّعايا قَبلي لَتَشكو


منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام
316

عمّم الإمام أمراً إدارياً حثَّ فيه هؤلاء أن لا ينسوا هذا المبدأ في الكتابة إليه ، وراح يقول : «أدِقّوا أقلامَكُم ، وَقارِبوا بَينَ سُطورِكُم ، وَاحذَفُوا عَنّي فُضُولَكُم ، وأقصُدُوا قَصدَ المَعاني ، وَإيّاكُم وَالإكثارَ ؛ فَإِنَّ أموالَ المُسلِمينَ لا تَحتَمِلُ أضراراً» .
أمّا حرص الإمام نفسه وسلوكه الشخصي في التصرّف ببيت المال ، فهو أمر يبعث على الدهشة ! فالإمام لم يكن على استعداد لأن يستفيد من نور سراج تابع لبيت المال في جواب من راجعه ليلاً في أمر شخصي ! فعندما كان الإمام أمير المؤمنين عليه السلام مشغولاً بكتابة ما يتعلّق بكيفيّة تقسيم بيت المال ، ودخل عليه طلحة والزبير في أمرٍ شخصي ، عمد إلى السراج الَّذي كان يستهلك وقوده من الثروات العامّة فأطفأه ، وأمر من يأتي إليه بسراجٍ آخر من بيته !

اُصول السياسة الاجتماعيّة

ترجع اُصول السياسة الاجتماعيّة في الحكم العلوي إلى المنطلقات التالية :

1 . العدالة الاجتماعيّة

تعدّ العدالة المحور الأكثر بروزاً في منهج الحكم العلوي ، وقد بلغ من اقتران اسم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بالعدالة وامتزاجه بها ، قدراً بحيث صار اسم عليّ عنواناً للعدالة ، وعنوان العدالة باعثاً للإيحاء باسم عليّ .
ومعنى هذا التصاحب بين الاثنين ، أنّ الحكم الَّذي يمكنه الادّعاء باقتفاء الحكم العلوي مثالاً له ، هو ذلك الَّذي يحرص قادته على العدالة أكثر من أيّ شيء آخر . وبديهيّ لا يكمن هذا الاقتداء بالتعاطي مع العدالة من خلال الشعار والأقوال وحسب كما دأب على ذلك الجميع في العالم المعاصر عبر رفع هذا الشعار وتكراره ، وإنّما يحصل بترسيخ العدالة من خلال السلوك والعمل . وهذه حالة نادرة كما كانت بالأمس تماماً .

  • نام منبع :
    منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام
    المساعدون :
    غلامعلي، مهدي
    المجلدات :
    1
    الناشر :
    دار الحديث
    مکان النشر :
    قم
    تاریخ النشر :
    1388
    الطبعة :
    الاولي
عدد المشاهدين : 130324
الصفحه من 987
طباعه  ارسل الي