51
منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام

بعضهم ، وخرج النبيّ صلى الله عليه و آله من مكّة والتحق بهم ، فسيشكّلون قوّة عظيمة تهدّد أمنهم وخاصّه قوافلهم التجاريّة . ولذا عزموا على تدبير مكيدة لإنهاء أمر رسول اللّه صلى الله عليه و آله الذي كان لا يزال بمكّة .
فاجتمعوا وتشاوروا ، فتصافقوا على قتله صلى الله عليه و آله ؛ إذ لم يكن إخراجه أو حبسه مجدياً . واطّلع صلى الله عليه و آله على مؤامرتهم المشؤومة عن طريق الوحي ، فكُلِّف بالخروج من مكّة ۱«وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَـكِرِينَ» . ۲
وقد قام المشركون بتطويق داره صلى الله عليه و آله ، بعد تداولهم في خطّة قتله وكيفيّة التنفيذ ، فإذا قَصَد الخروج فستتلقّاه سيوفهم وينتهي أمره إلى الأبد .
فاقترح صلى الله عليه و آله على عليّ عليه السلام أن يبيت في فراشه تلك الليلة ، فسأله : أ وَتسلم يا رسول اللّه ؟ قال : نعم . فرحّب الإمام عليه السلام بهذا الاقتراح موطّنا نفسه للقتل عند مواجهة المشركين صباحاً ۳ ، وسجد سجدة الشكر على هذه الموهبة العظيمة ۴ . والتحف بالبرد اليمانيّ الأخضر الذي كان يلتحف به النبيّ صلى الله عليه و آله عند نومه ، ونام مطمئنّاً في فراشه صلى الله عليه و آله . ۵
لقد عبّر الإمام عليه السلام بهذا الموقف عن غاية شجاعته ، وجسّدها وصدع بها عمليّاً ؛ إذ عرّض بدنه الأعزل للسيوف المسلولة ، وهذا اللون من الشجاعة امتاز به دون غيره .

1.الطبقات الكبرى : ج۱ ص۲۲۷ .

2.الأنفال : ۳۰ .

3.الأمالي للطوسي : ص۴۴۷ ح۹۹۸ و ۹۹۹ .

4.الأمالي للطوسي : ص۴۶۵ ح۱۰۳۱ .

5.تاريخ دمشق : ج۴۲ ص۶۷ و ۶۸ .


منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام
50

الفصل الثالث : الإيثار الرائع ليلة المبيت

قال اللّه تعالى : «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوف بِالْعِبَادِ» . ۱
انتشر دين اللّه في شبه الجزيرة العربيّة شيئا فشيئا ، وعلا الأذان المحمّدي ، وانعكس صداه في أرجاء منها ، وكانت «يثرب» من المدن التي سمعت نداء الحقّ ، وقد التقى عدد من أهلها برسول اللّه صلى الله عليه و آله في موسم الحجّ ، وعاهدوه سرّاً . ۲
ومن جهة اُخرى زاد المشركون ظلمهم وجورهم ، وبلغوا ما بلغوا في تعذيبهم واضطهادهم وإرهابهم للناس ، واشتدّ أذاهم للمسلمين ، فأمر النبيّ صلى الله عليه و آله بالهجرة إلى يثرب .
من هنا ، هاجر المسلمون إلى يثرب تخلّصاً من جور المشركين واضطهادهم ، وقد بذل المشركون قصارى جهدهم للحؤول دون الهجرة ، بيد أنّ رجالاً كثيرا تركوا ما عندهم في مكّة وغادروها على عجل ، ففزع المشركون لذلك ؛ لأ نّهم كانوا يعتقدون أنّه إذا اجتمع خلق غفير من أهل يثرب ، وحصل المسلمون على دعم من

1.البقرة : ۲۰۷ .

2.السيرة النبويّة لابن هشام : ج۲ ص۳۰۱ .

  • نام منبع :
    منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام
    المساعدون :
    غلامعلي، مهدي
    المجلدات :
    1
    الناشر :
    دار الحديث
    مکان النشر :
    قم
    تاریخ النشر :
    1388
    الطبعة :
    الاولي
عدد المشاهدين : 132041
الصفحه من 987
طباعه  ارسل الي