529
منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام

أَسْفَارَا» 1 . وحَمَلَ شُرَيحُ بنُ هانِئٍ عَلى عَمرٍو فَقَنَّعَهُ بِالسَّوطِ ، وحَمَلَ عَلى شُرَيحٍ ابنٌ لِعَمرٍو فَضَرَبَهُ بِالسَّوطِ ، وقامَ النّاسُ فَحَجَزوا بيَنَهُم . وكانَ شُرَيحٌ بَعدَ ذلِكَ يَقولُ : ما نُدِمتُ عَلى شَيءٍ نَدامَتي عَلى ضَربِ عَمرٍو بِالسَّوطِ ألّا أكونَ ضَرَبتُهُ بِالسَّيفِ آتِيا بِهِ الدَّهرُ ما أتى . وَالتَمَسَ أهلُ الشّامِ أبا موسى ، فَرَكِبَ راحِلَتَهُ ولَحِقَ بِمَكَّةَ .
قالَ ابنُ عَبّاسٍ : قَبَّحَ اللّهُ رَأىَ أبي موسى ! حَذَّرتُهُ وأمَرتُهُ بِالرَّأيِ فَما عَقَلَ . فَكانَ أبو موسى يَقولُ : حَذَّرَنِي ابنُ عَبّاسٍ غَدرَةَ الفاسِقِ ، ولكِنِّي اطمَأنَنتُ إلَيهِ ، وظَنَنتُ أنَّهُ لَن يُؤثِرَ شَيئا عَلى نَصيحَةِ الاُمَّةِ . ثُمَّ انصَرَفَ عَمرٌو وأهلُ الشّامِ إلى مُعاوِيَةَ ، وسَلَّموا عَلَيهِ بِالخِلافَةِ ، ورَجَعَ ابنُ عَبّاسٍ وشُرَيحُ بنُ هانِئٍ إلى عَلِيٍّ . 2

ز ـ كَلامُ الإِمامِ عليه السلام لَمّا بَلَغَهُ أمرُ الحَكَمينِ

۴۵۰.الإمام عليّ عليه السلامـ مِن كَلامٍ لَهُ بَعدَ التَّحكيمِ وما بَلَغَهُ مِن أمرِ الحَكَمَينِ ـ: أمّا بَعدُ ؛ فَإِنَّ مَعصِيَةَ النّاصِِح الشَّفيقِ العالِمِ المُجَرِّبِ ، تورِثُ الحَسرَةَ ، وتُعقِبُ النَّدامَةَ .
وقَد كُنتُ أمَرتُكُم في هذِهِ الحُكومَةِ أمري ، ونَخَلتُ لَكُم مَخزونَ رَأيي ، لَو كانَ يُطاعُ لِقَصيرٍ أمرٌ ! فَأَبيَتُم عَلِيَّ إباءَ المُخالِفينَ الجُفاةِ ، وَالمُنابِذينَ العُصاةِ .
حَتَّى ارتابَ النّاصِحُ بِنُصحِهِ ، وضَنَّ الزَّندُ بِقَدحِهِ ، فَكُنتُ أنَا وإيّاكُم كَما قالَ أخو هَوازِنَ :

أمَرتُكُمُ أمري بِمُنعَرَجِ اللِّوىفَلَم تَستَبينُوا النُّصحَ إلّا ضُحَى الغَدِ۳

1.الجمعة : ۵ .

2.تاريخ الطبري : ج۵ ص۷۰ .

3.نهج البلاغة : الخطبة ۳۵ .


منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام
528

عَمرٌو عَلى مُعاوِيَةَ فَأَبى ، وأرادَهُ عَلَى ابنِهِ فَأَبى ، وأرادَ موسى عَمرا عَلى عَبدِ اللّهِ بنِ عُمَرَ فَأَبى عَلَيهِ ، فَقالَ لَهُ عَمرٌو : خَبِّرني ما رَأيُكَ ؟ قالَ : رَأيي أن نَخلَعَ هذَينِ الرَّجُلَينِ ، ونَجعَلَ الأَمرَ شورى بَينَ المُسلِمينَ ، فَيَختارَ المُسلِمونَ لِأَنفُسِهِم مَن أحَبّوا . فَقالَ لَهُ عَمرٌو : فَإِنَّ الرَّأيَ ما رَأَيتَ .
فَأَقبَلا إلَى النّاسِ وهُم مُجتَمِعونَ ، فَقالَ : يا أبا موسى ، أعلِمهُم بِأَنَّ رَأيَنا قَد اجتَمَعَ وَاتَّفَقَ ، فَتَكَلَّمَ أبو موسى فَقالَ : إنَّ رَأيي ورَأيَ عَمرٍو قَدِ اتَّفَقَ عَلى أمرٍ نَرجو أن يُصلِحَ اللّهُ عَزَّ وجَلَّ بِهِ أمرَ هذِهِ الاُمَّةِ . فَقالَ عَمرٌو : صَدَقَ وبَرَّ ، يا أبا موسى ! تَقَدَّم فَتَكَلَّم ، فَتَقَدَّمَ أبو موسى لِيَتَكَلَّمَ ، فَقالَ لَهُ ابنُ عَبّاسٍ : وَيحَكَ ! وَاللّهِ إنّي لَأَظُنَّهُ قَد خَدَعَكَ . إن كُنتُما قَد اتَّفَقتُما عَلى أمرٍ ؛ فَقَدِّمهُ فَليَتَكَلَّم بِذلِكَ الأَمرِ قَبلَكَ ، ثُمَّ تَكَلَّم أنتَ بَعدَهُ ؛ فَإِنَّ عَمرا رَجُلٌ غادِرٌ ، ولا آمَنُ أن يَكونَ قَد أعطاكَ الرِّضا فيما بَينَكَ وبَينَهُ ، فَإِذا قُمتَ في النّاسِ خالَفَكَ ـ وكانَ أبو موسى مُغَفَّلاً ـ فَقالَ لَهُ : إنّا قَدِ اتَّفَقنا . فَتَقَدَّمَ أبو موسى فَحَمِدَ اللّهَ عَزَّ وجَلَّ وأثنى عَلَيهِ ، ثُمَّ قالَ :
أيُّهَا النّاسُ ! إنّا قَد نَظَرنا في أمرِ هذِهِ الاُمَّةِ فَلَم نَرَ أصلَحَ لِأَمرِها ، ولا ألَمَّ لِشَعَثِها مِن أمرٍ قَد أجمَعَ رَأيي ورَأيُ عَمرٍو عَلَيهِ ؛ وهُوَ أن نَخلَعَ عَلِيّا ومُعاوِيَةَ ، وتَستَقبِلَ هذِهِ الاُمَّةُ هذَا الأَمرَ ؛ فَيُوَلّوا مِنهُم مَن أحَبّوا عَلَيهِم ، وإنّي قَد خَلَعتُ عَلِيّا ومُعاوِيَةَ ، فَاستَقبِلوا أمرَكُم ، ووَلّوا عَلَيكُم مَن رَأَيتُموهُ لِهذَا الأَمرِ أهلاً . ثُمَّ تَنَحّى .
وأقبَلَ عَمرُو بنُ العاصِ فَقامَ مَقامَهُ ، فَحَمِدَ اللّهَ وأثنى عَلَيهِ وقالَ : إنَّ هذا قَد قالَ ما سَمِعتُم وخَلَعَ صاحِبَهُ ، وأنَا أخلَعُ صاحِبَهُ كَما خَلَعَهُ ، واُثبِتُ صاحِبي مُعاوِيَةَ ؛ فَإِنَّهُ وَلِيُّ عُثمانَ بنِ عَفّانَ ، وَالطّالِبُ بِدَمِهِ ، وأحَقُّ النّاسِ بِمَقامِهِ .
فَقالَ أبو موسى : ما لَكَ لا وَفَّقَكَ اللّهُ ! غَدَرتَ وفَجَرتَ ! إنَّما مَثَلُكَ «كَمَثَلِ الْكَلْبِ إن تَحمِل عليه يَلْهَثْ أو تتركه يَلْهث» 1 . قالَ عَمرٌو : إنَّما مَثَلَكُ «كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ

1.الأعراف : ۱۷۶ .

  • نام منبع :
    منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام
    المساعدون :
    غلامعلي، مهدي
    المجلدات :
    1
    الناشر :
    دار الحديث
    مکان النشر :
    قم
    تاریخ النشر :
    1388
    الطبعة :
    الاولي
عدد المشاهدين : 130280
الصفحه من 987
طباعه  ارسل الي