533
منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام

3 . موضوع التحكيم

لنتطلّع الآن في موضوع الحَكَميّة ، وما الذي يجب أن يحكم فيه الحكمان ؟
لا يلاحظ في وثيقة التحكيم ما يشير إلى موضوع التحكيم ، ولا واجبات وصلاحيّات الحكَمَين ، وإنّما اشتملت على واجب عامّ للحكَمَين وهو «أن ينزل الحَكَمان عند حكم القرآن ، وما لم يجداه مسمّىً في الكتاب ردّاه إلى سنّة رسول اللّه » .
لم يرد في نصّ الوثيقة ما يشير إلى موضوع التحكيم قطّ ، أو أنّه يُعنى بالنظر في أمر قتَلة عثمان ؛ كما أشار البعض إلى «أنّ الذي يُستشفّ من كتب وكلمات معاوية أنّ ما فُوّض إلى الحَكَمين هو النظر في أمر قتلة عثمان ، وهل كانوا محقّين في عملهم أم لا ؟» .
أوَهل كان موضوع التحكيم واضحا بحيث لم تكن هناك ضرورة لإدراجه في نصّ الوثيقة ؟ أم يحتمل أنّ موضوع التحكيم كان موجودا في الوثيقة ، إلّا أنّه حُذف أو حُرِّف لاحقا ؟
الذي يبدو أنّ تحريف نصّ الوثيقة كان أمرا مستبعدا ، وكذلك لو كان موضوع التحكيم يختصّ بقتلة عثمان لاُشير إليه في نصّ الوثيقة . وما جاء في كلام الإمام أو في رسائله إلى معاوية لا يكشف عن أنّ مسألة قتلة عثمان كان أحد مواضيع التحكيم .
ويظهر أنّ موضوع التحكيم يختصّ بحلّ اختلافات الجانبين ، ولا توجد حاجة لتعيينه ؛ فقد يكون الاختلاف تارة حول مسائل الزواج ، كما جاء في الآية (35) من سورة النساء ، أو مسائل سياسيّة ، كما وقع في معركة صفّين ، أو مسائل اُخرى . وفي كلّ الحالات يجب على الحكمين البتّ في جميع المسائل المختلف عليها بين


منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام
532

إلّا أنّ من المسلّم به أنّه كان رجلاً ساذجا ومغفّلاً وكان مناهضا لسياسة الإمام في التصدّي الحاسم لمثيري الفتنة الداخليّة . وموقفه هذا هو الذي جعله يثبّط الناس عن أمير المؤمنين عند قدومه البصرة ، ويحثّهم على لزوم بيوتهم ، وفي نهاية الأمر أرغمه مالك الأشتر على مغادرة قصر الإمارة .
وهنا يتبادر إلى الأذهان هذا السؤال وهو : لماذا عيّن الإمام شخصا ساذجا له كهذا ، مندوبا عنه في أمر التحكيم ؟ ألم يعلم بما ستكون عليه نتيجة التحكيم فيما لو دخل أبو موسى فيه ؟
والجواب هو : بلى ، إنّ الإمام كان يعلم بالنتيجة ؛ فقد ذكر عبد اللّه بن أبي رافع كاتب الإمام عليّ عليه السلام بأنّ أبا موسى عندما أراد المسير إلى التحكيم ، قال أمير المؤمنين عليه السلام : «كَأَنّي بِهِ وقَد خُدِعَ !» ، غير أنّ الضغوط التي أرغمت الإمام على قبول التحكيم هي نفسها التي أرغمته على إرسال أبي موسى ممثّلاً عنه .
ومع أنّ الإمام أمير المؤمنين عليه السلام حاول أن يبعث عبد اللّه بن عبّاس أو مالكا الأشتر حكما ، إلّا أنّ محاولاته لم تُجْد نفعا !
فقال عليه السلام : «إنَّكُم عَصَيتُموني في أوَّلِ الأَمرِ ؛ فَلا تَعصونِي الآنَ ! إنّي لا أرى أن اُوَلِّيَ أبا موسى» .
فقال الأشعث وزيد بن الحصين الطائي ومسعر بن فدكي : لا نرضى إلّا به ؛ فإنّه ما كان يحذّرنا منه وقعنا فيه !
قال عليّ عليه السلام : «فَإِنَّهُ لَيسَ لي بِثِقَةٍ ؛ قَد فارَقَني وخَذَّلَ النّاسَ عَنّي ، ثُمّ هَرَبَ مِنّي حَتّى آمَنتُهُ بَعدَ أشهُرٍ . . .» .
ولم يستطع الإمام أن يثنيهم عن رأيهم ، فقال لهم في نهاية الأمر : «فَاصنَعوا ما أرَدتُم !» .

  • نام منبع :
    منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام
    المساعدون :
    غلامعلي، مهدي
    المجلدات :
    1
    الناشر :
    دار الحديث
    مکان النشر :
    قم
    تاریخ النشر :
    1388
    الطبعة :
    الاولي
عدد المشاهدين : 130300
الصفحه من 987
طباعه  ارسل الي