541
منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام

يدلّ على القدوة في هذا المجال ، ويؤكّد تمسّك المسلمين بسيرة العترة التي كان يعرّفها للاُمّة بوصفها المثال البارز للاعتدال والوسطيّة . وقد أشار الأئمّة عليهم السلام إلى منزلة أهل البيت ومكانتهم ، من ذلك دعاء الإمام السجّاد عليه السلام في الصلوات الشعبانيّة ، حيث جاء فيها :
اللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ الفُلكِ الجارِيَةِ فِي اللُّجَجِ الغامِرَةِ ؛ يَأمَنُ مَن رَكِبَها ، ويَغرَقُ مَن تَرَكَها ، المُتَقَدِّمُ لَهُم مارِقٌ ، وَالمُتَأَخِّرُ عَنهُم زاهِقٌ ، وَاللّازِمُ لَهُم لاحِقٌ . ۱
وهكذا نبّه أئمّة الدين الناسَ على لزوم الاعتدال في الفكر والحياة ، وأكّدوا ذلك . ويمكننا أن نُدرك من هذا كلّه أنّ الخروج عن جادّة الاعتدال ، والسقوط في حضيض الإفراط والتطرّف لا يستتبع إلّا الشذوذ ، وربّما الانجراف مع تيّار الفساد .
ومثّل الخوارج ـ في نطاق الثقافة الإسلاميّة ـ تيّارا متطرّفا ذا مواقف حادّة متشنّجة بعيدة عن الاعتدال ، ونُعتوا في الأحاديث النبويّة بصفة «التعمّق» :
«إنَّ أقواما يَتَعَمَّقونَ فِي الدّينِ يَمرُقونَ كَما يَمرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» .
ونتناول هذا الاصطلاح فيما يأتي بإيجاز قبل أن نتحدّث عن جذور تيّار الخوارج :

التطرّف الديني في اصطلاح الحديث

ذكرنا أنّ الإسلام دينٌ وسطٌ يرفض الإفراط ، والتطرّف ، والخروج عن الاعتدال ، ولنا أن نلمس هذه الحقيقة في التعاليم الدينيّة بعناوين متنوّعة . منها : إنّنا نلحظ أنّ الإفراط والتطرّف وردا في لسان الأحاديث والروايات تحت عنوان «التعمّق» ، قال

1.مصباح المتهجّد : ص۳۶۱ ح۴۸۵ .


منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام
540

كيفيّة تبلور أفكارهم ، وما كان لهم من موقف متشدّد مَشُوب باللجاجة والجهل في قبال الإمام عليه السلام .

الدين والاعتدال

الإسلام دينٌ وَسَط ۱ ، وتعاليمه زاخرة بالتأكيد على الاعتدال ، وبالنظرة الشموليّة المستوعبة ، وبضرورة الابتعاد عن الإفراط ، والنظرة الضيّقة الاُحاديّة الجانب إلى الاُمور .
ورسول اللّه صلى الله عليه و آله ـ الذي كان يعرض الإسلام بوصفه منهاجا للتكامل المادّي والمعنوي ويؤكّد شموليّته وكماله في استيعابه المصالح الفرديّة والاجتماعيّة ـ كان يرى الإفراط والنظرة الاُحاديّة الجانب أكبر خطر على اُمّته ودينه . ولم يزل ينبّه على هذه الحقيقة طيلة عمره المبارك ، فقد كان صلى الله عليه و آله يقول :
«لا يَقومُ بِدينِ اللّهِ إلّا مَن حاطَهُ مِن جَميعِ جَوانِبِهِ» . ۲
وكان صلى الله عليه و آله يرى أنّ الذين يحملون النظرة الشموليّة المستوعبة للدين ، ويُحيطون بجميع التعاليم الدينيّة في مجال الفكر ، والقول ، والتكامل الفردي والاجتماعي هم وحدهم الذين تُثمر جهودهم في نصرة الدين ، وكان يحرص على تعليم ذلك لاُمّته . ومن هنا كان صلى الله عليه و آله يقول :
«إنَّ دينَ اللّهِ عَزَّوجَلَّ لَن يَنصُرَهُ إلّا مَن حاطَهُ مِن جَميعِ جَوانِبِهِ» . ۳
ورسول اللّه صلى الله عليه و آله ـ إلى جوار ما كانت تعيشه الاُمّة من تعاليم سيرته الوضّاءة التي يُتحفها بها من أجل هدايتها واستقامتها على الطريقة ، وجعلها الاُمّة الوسط ـ كان

1.قال تبارك وتعالى : «وَكَذلِكَ جَعَلْنَـكُمْ أُمَّةً وَسَطًا» (البقرة : ۱۴۳) .

2.كنز العمّال : ج۳ ص۸۴ ح۵۶۱۲ .

3.الفردوس : ج۱ ص۲۳۴ ح۸۹۷ .

  • نام منبع :
    منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام
    المساعدون :
    غلامعلي، مهدي
    المجلدات :
    1
    الناشر :
    دار الحديث
    مکان النشر :
    قم
    تاریخ النشر :
    1388
    الطبعة :
    الاولي
عدد المشاهدين : 130410
الصفحه من 987
طباعه  ارسل الي