545
منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام

عن مستقبله ، وأنبأهم بأنّه ورفقاءه بعيدون عن الحقّ من منطلق «التعمّق» وقال :
«سَيَكونَ لَهُ شيعَةٌ يَتَعَمَّقونَ فِي الدّينِ حَتّى يَخرُجوا مِنهُ» . ۱
وقال في خبر آخر : «إنَّهُ يَخرُجُ هذا في أمثالِهِ وفي أشباهِهِ وفى ضُرَبائِهِ يَأتيهِمُ الشَّيطانُ مِن قِبَلِ دينِهِم ، يَمرُقونَ مِنَ الدّينِ كَما يَمرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ، لا يَتَعَلَّقونَ مِن الإِسلامِ بِشَيءٍ» . ۲
والعجب أنّ هؤلاء قد تقمّصوا الزهد ، وعليهم سيماء العابدين أو هيئة الزاهدين ، بَيْد أنّهم ـ من منظار رسول اللّه صلى الله عليه و آله ـ من الدين خارجون ، وعن الحقّ والحقيقة بعيدون ، وهم الذين كانوا يسمّون أنفسهم «القُرّاء» أيضا ، في حين أبان النبيّ صلى الله عليه و آله هذه الصفة وجلّى طبيعتها أيضا ، فقد قال صلى الله عليه و آله : «يَقرَؤونَ القُرآنَ لا يُجاوِزُ حُلوقَهُم أو حَناجِرَهُم !» ۳ .
ويحسن بنا أن نتحدّث بإجمال عن مصطلح «القرّاء» ؛ لِما كان له من أرضيّة اجتماعيّة في التاريخ الإسلامي .

تيّار القرّاء وتبلوره

كان في المجتمع الإسلامي أشخاص مشهورون بحُسن القراءة ، وحظي هؤلاء بشعبيّة لافتة للنظر ، وإقبال حَسَن بين الناس ، حتى غدا عنوان «القارئ» امتيازا له أثر في تعيين المناصب أحيانا ۴ .

1.مسند ابن حنبل : ج۲ ص۶۸۱ ح۷۰۵۹ .

2.كنزالعمّال : ج۱۱ ص۳۰۶ ح۳۱۵۸۷ .

3.صيحى البخاري : ج ۶ ص ۲۵۴۰ ح ۶۵۳۲ .

4.تاريخ الطبري : ج۳ ص۹۹ .


منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام
544

«وَالكُفرُ عَلى أربَعِ دَعائِمَ : عَلَى التَّعَمُّقِ ، وَالتَّنازُعِ ، وَالزَّيغِ ، وَالشِّقاقِ ؛ فَمَن تَعَمَّقَ لم يُنِب إلَى الحَقِّ» ۱ .
ومثل هؤلاء المتعمّقين بتماديهم في ظنونهم وأوهامهم ، وإغراقهم في أفكارهم ، ومن ثمّ أساليبهم المفرطة ، لا يجدون مجالاً للإنابة إلى الحقّ ، ومن هنا لا ينقادون للإسلام ، وهل الإسلام إلّا التسليم للحقّ ، والإقرار به ، والخضوع له بعد فهمه ؟
والمؤسف أنّ مشكلة الخوارج الكبرى قد تمثّلت في توجّهاتهم المتطرّفة المفرطة اللامتناهية ، لذلك آلَ أمرهم إلى حكمهم بالكفر على كلّ من لا يرى رأيهم ولا يعمل عملهم !

نقطة البداية في الانحراف

إنّ عددا من المسلمين في عصر صدر الإسلام لم يتلقّ تحذير النبيّ صلى الله عليه و آله من «التعمّق» بكثيرٍ من الجِدّية ؛ لأسباب سنعرضها عند الحديث عن جذور «التعمّق» ؛ فهؤلاء قد تجاوزوا السنّة النبويّة ، وأفرطوا في نزعاتهم حتى وقحُوا في بعض المرّات واجترؤوا يؤاخذون النبيّ صلى الله عليه و آله إذ كان صلى الله عليه و آله في أحد الأيّام مشغولاً بتوزيع الغنائم ، وقسمتها بمراعاة مصالح معيّنة ، فهبّ أحد هؤلاء «المتقدّسين» ، وقد سوّلت له نفسه أنّه أعدل من رسول اللّه صلى الله عليه و آله في القسمة بزعمه ، وطلب منه أن يعدل في التوزيع ! وطعن في تقسيمه القائم على التعاليم القرآنيّة ، وكان أثر السجود بائنا على جبهته ، ورأسه محلوق على طريقة «المتقدّسين» يومئذٍ ورفع عقيرته بغلظة وفظاظة قائلاً : «يا مُحَمَّدٌ ، وَاللّهِ ما تَعدِلُ !» فقال له النبيّ صلى الله عليه و آله مُغضبا :
وَيحَكَ ! فَمَن يَعدِلُ إذا لَم أعدِل ؟ !
وَهَمَّ الصحابةُ بقتله لموقفه الوقِح هذا ، بَيْد أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله منَعهم ، وحكى لهم صورةً

1.نهج البلاغة : الحكمة ۳۱ .

  • نام منبع :
    منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام
    المساعدون :
    غلامعلي، مهدي
    المجلدات :
    1
    الناشر :
    دار الحديث
    مکان النشر :
    قم
    تاریخ النشر :
    1388
    الطبعة :
    الاولي
عدد المشاهدين : 130207
الصفحه من 987
طباعه  ارسل الي