555
منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام

ولنا أن نلمس هذه الحقيقة بوضوح في تصوير شامل للإمام أمير المؤمنين عليه السلام يتحدّث فيه عن أصناف الناس في عصره ، قال عليه السلام :
«ومِنهُم مَن يَطلُبُ الدُّنيا بِعَمَلِ الآخِرَةِ ولا يَطلُبُ الآخِرَةَ بِعَمَلِ الدُّنيا ، قَد طامَنَ مِن شَخصِهِ ، وقارَبَ مِن خَطوِهِ ، وشَمَّرَ مِن ثَوبِهِ ، وزَخرَفَ مِن نَفسِهِ لِلأَمانَةِ ، وَاتَّخَذَ سِترَ اللّهِ ذَريعَةً إلَى المَعصِيَةِ» ۱ .
ومن الصعب تمييز النماذج الماثلة لطلّاب الدنيا بخاصّة طلّابها الذين عليهم مسحة التوجه إلى الآخرة ، فهذا اللون من التوجّه لا يظهر إلّا عند محطّات الاختبار وفى منعطفات الحياة الوعرة ، وهناك تنجلي جوهرة الباطن ، ونِعمَ ما قاله الإمام عليه السلام في هذا المجال :
«في تَقَلُّبِ الأَحوالِ عِلمُ جَواهِرِ الرِّجالِ» . ۲
إن إدراك الحقيقة المستخفية وراء حجاب الرياء والتدليس أمر لا يهتدي إليه كلّ أحد ؛ فهو يتطلّب بصيرة عميقة ثاقبة كبصيرة مالك الأشتر ، حتى يتسنّى أن يُرى حبّ الدنيا كامنا وراء السجدات الطويلة والنزعات الخادعة ببريق قداستها المفتعلة . لقد كان مالك على مشارف النصر في صفّين ، وتقدّم حتى اقترب من خيمة طلّاب السلطة ، لكنّه اُكره على التقهقر تحت ضغط «القرّاء» . وحين عاد خاطبهم بحرقة وألم ، فقال لهم :
«يا أصحابَ الجِباهِ السُّودِ ! كُنّا نَظُنُّ صَلَواتِكُم زَهادَةً فِي الدُّنيا ، وشَوقا إلى لِقاءِ اللّهِ عَزَّوجَلَّ ، فَلا أرى فِرارَكُم إلّا إلَى الدُّنيا مِنَ المَوتِ ، ألا قُبحاً يا أشباهَ النِّيبِ الجَلّالَةِ» ۳ .

1.نهج البلاغة : الخطبة ۳۲ .

2.نهج البلاغة : الحكمة ۲۱۷ .

3.تاريخ الطبري : ج۵ ص۵۰ .


منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام
554

الحقيقة في كلام عميق له قال فيه :
«فَلَمّا نَهَضتُ بِالأَمرِ نَكَثَت طائِفَةٌ ، ومَرَقَت اُخرى ، وقَسَطَ آخَرونَ ، كَأَنَّهُم لَم يَسمَعوا كَلامَ اللّهِ حَيثُ يَقولُ :«تِلْكَ الدَّارُ الْأَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِى الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَ الْعَـقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»۱ . بَلى وَاللّهِ ، لَقَد سَمِعوها ووَعَوها ، ولكِنَّهُم حَلِيَتِ الدُّنيا في أعيُنِهِم ، وراقَهُم زِبرِجُها ۲ .
ولعلّ ما جاء في التاريخ حول الخوارج يجعل التصديق بهذا الموضوع عسيرا بعض العُسر ، ذلك أنّ قوما اتّخذوا الزهد شعارا لهم ، وظهروا بمظهر العازفين عن الدنيا ، وأتعبوا أنفسهم في العبادة ، وجاوزوا حدّ الاعتدال فيها ، ورغبوا عن مادّيات هذه الحياة ، وكانوا يُبلون بلاءً حسنا في ميادين القتال ، كيف يكون لحبّ الدنيا من معنىً بالنّسبة إليهم ؟ ! وهنا ينبغي أن نقول : «هاهنا ألف مسألة هي أدقّ من الشعرة» ۳ . فللإقبال على الدنيا معالم ووجوه ، ذلك أنّ منهم مَن يتشدّد فيها على نفسه حينا ، ويعنُف بها ؛ لكي يكون مشهورا محبوبا بين الناس ، ويذيع صيته ، ويتحدّث المتحدّثون باسمه ! أجل :

كُلُّ مَن فِي الوُجودِ يَطلُبُ صَيداإنَّمَا الاِختِلافُ فِي الشَّبَكاتِ
وليس للمرء أن يُخلِصَ دخيلته فيها ما لم يَخلَصْ من حبالة النفس وفخّ الشيطان ، ومن الواضح أنّ الإقبال على الدنيا ـ إذا كان في قالب التديّن ولباس أهل الآخرة ـ أخطر بكثيرٍ ممّا إذا كان في قالب حبّ الدنيا واللهث وراءها ، وفي زيّ الإتراف . ذلك أنّ من العسير إدراك هذه الحقيقة من وراء ذلك الظاهر .

1.القصص : ۸۳ .

2.نهج البلاغة : الخطبة ۳ .

3.ترجمة لمثل فارسي .

  • نام منبع :
    منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام
    المساعدون :
    غلامعلي، مهدي
    المجلدات :
    1
    الناشر :
    دار الحديث
    مکان النشر :
    قم
    تاریخ النشر :
    1388
    الطبعة :
    الاولي
عدد المشاهدين : 131885
الصفحه من 987
طباعه  ارسل الي